السبت، 15 سبتمبر 2012

عندما تهدّد الغيرة الزائدة الحياة الزوجية - هبة الله الغلاييني


عندما تهدّد الغيرة 
الزائدة الحياة الزوجية - هبة الله الغلاييني
 لاشك بأن هناك علاقة تبادلية بين أي شخصين يحبان بعضهما بعضاً، وتتمثل هذه العلاقة أكثر ما تتمثل في الغيرة التي تعتمل في قلب كل منهما تجاه الآخر، ولكن شأن الغيرة شأن أية ظاهرة نفسية أخرى، فالثقة بالنفس إذا ما زادت عن حدّها، فإنها تتحول إلى كسل، وقسْ على ذلك جميع الظواهر النفسية التي تعتمل بأكثر مما يجب في قوام المرء، فتخرج عن حدود السوّية إلى الانحراف النفسي، فإذا ما زادت الغيرة عن حدّها المناسب، فإنها تعمل على إفساد العلاقات القلبية القائمة فيما بين الزوجين.
وللغيرة الزائدة مظاهر تدل عليها وسلوكيات تشير إليها منها
أولاً: مصادر حرية الزوج:
فالزوجة المصابة بالغيرة الزائدة تعمل على شل حركات وتصرفات زوجها، وتحاول أن تحول بينه وبين إقامة أي علاقة كائنة ما كانت بأي من أفراد الجنس الآخر، فمهما برهن لها زوجها على أن طبيعة عمله تقتضي وجوب الاتصال ببعض أفراد الجنس الآخر فإنها تثور وتموج، وتقلب الدنيا ظهراً لبطن، معتقدة أنه يتخذ من هذه الحجج ذرائع واهية لإقامة علاقات غرامية مع من يتصل بهن، ويتعامل معهن، ومن الطبيعي أن الزوج الحريص على العلاقات الزوجية، والذي يحاول إسعاد زوجته يأخذ في الحذر بقدر المستطاع من التعامل مع أي من أفراد الجنس الآخر اللطيف، خوفاً على مشاعر زوجته، وخشية أن تفاجئه وهو يتحدث مع زميلة له في أي شأن من الشؤون.
ثانياً: مراقبة تحركاته وسكناته:
والزوجة المفعمة بالغيرة الزائدة، تدأب على تشديد الرقابة على زوجها سواء في يقظته أم في نعاسه، فهي تراقب كل حركة من حركاته، وحتى في أثناء نومه، فإذا ما انخرط في بعض الأحلام المصحوبة بكلام مسموع، فإنها تأخذ في التنصّت لكل كلمة يتفّوه بها، لعلّها تلتقط كلاماً تفهم منه شبهة علاقة غرامية بينه وبين أية من بنات حواء، أو قد يكون قد وقع في مصيدة حب يدور صداه بخلده، أو اعتمال رغبة جنسية مكبوتة لديه لم تجد متنفساً لها إلا من خلال أحلامه كما أنها تراقب تحركاته إذا ما اقترب من الشرفة أو الشباك، فتظن أنه ربما يغتنم أي فرصة للفت أنظار بعض الجارات، وبخاصة من تعتقد أنهن أكثر جمالاً وجاذبية وخفة دم منها، علماً بأنه غير جدير بثقتها، بل أنه قابل ومشوق لأن يقيم علاقات غرامية مع كل من يقبلن أو يرغبن في إقامة علاقات غرامية معه.
ثالثاً: التجسّس عليه خارج البيت:
والزوجة الغيور لا تكتفي بمراقبة حركات وسكنات زوجها، سواء في يقظته أم منامه، بل تتبعه خارج البيت، سواء في الشارع، أم في مقّر العمل فهي تجنّد العيون، للتجسس عليه ونقل أخباره وتحركاته وسكناته إليها وإخبارها عما دار بينه وبين غيره من أحاديث فحتى الأحاديث التي تدور بينه وبين أي من الرجال، فإنها تهتم بالوقوف عليها، إذ ربما تتضمن أخباراً عن علاقاته الجنسية مع بعض النساء، ناهيك عما يدور بينه وبين أي من بنات حواء، المهم أن تصلها كل أخباره لعلها تقع على أي انحراف جنسي في سلوكه خارج البيت.
رابعاً: النبش عن ماضيه الجنسي:
والزوجة المصابة بالغيرة الزائدة عن المعقول، لا تكتفي بمراقبة سلوك زوجها، أو مصادرة حريته في الاتصال ببنات حواء، بل تأخذ في التساؤل عن سلوكه قبل الاقتران بها، فتسأل أفراد أسرته، عما إذا كانت له مغامرات جنسية قبل الزواج، وهل ضبط متلبساً جنسياً مع واحدة من الجارات أو مع إحدى الشغالات، أو إنه كان يحاول معاكسة إحدى الشابات في الشارع أو من الشباك، وما إلى ذلك من استفسارات حول سلوكه الجنسي قبل الزواج، فإذا ما علمت أنه كان يتحرش جنسياً بشكل أو بآخر، أو أنه كان على علاقة بشبابه، فإنها تقلب له ظهر المجن، وتأخذ في توبيخه ومعايرته بزلاته الجنسية، مؤكدة أنه ما دام قد انحرف قبل الزواج، فإنه يكون إذن على استعداد لأن ينحرف بعد الزواج، وثم فإنها تشدّد الرقابة عليه، وإذا ما وصل إلى البيت متأخراً عن الموعد المقرر لعودته، فإنها تنصب له محاكمة توبخه خلالها وتتهمه بأنه لابد قد التقى بحبيبة القلب، ووقف معها في الطريق يتغزل بجمالها، أو ربما يكون قد ضرب لها موعداً للقائها بأحد الكازينوهات، وتأخذ في الإلحاح عليه لكي يعترف بما عمله خلال ذلك الوقت الذي تأخر فيه عن العودة إلى البيت، وقسْ على هذا اهتمامها بالوقوف على جميع التصرفات التي تربط فيها تلك الزوجة الغيور بين ماضي زوجها لحاضره وتتهمه بأنه ما زال غارقاً حتى أذنيه في غرامياته التي سبقت الزواج، وأن حاله لن ينصلح أبداً ما دام قد أعوّج سلوكه قبل الزواج.
خامساً: الرقابة المالية عليه والتضييق على مصاريفه الشخصية:
الزوجة الغيور تخشى أن ينفق زوجها ماله ويبدّده لجلب مرضاة من يلعبن بقلبه، ويستولين على مقاليد شخصيته، فهي تدأب على محاسبته على كل قرش أنفقه، والوقوف بدقة على أوجه الإنفاق التي أنفق مصروفه الخاص فيها، ذلك أن الزوجة الغيور، تحاول جاهدة أن تتولى هي زمام الموقف المالي، فتمسك بزمام الميزانية، وتقوم بالتخطيط لبنودها وتوزيع أوجه الإنفاق على تلك البنود التي تحدّدها، فإذا ما جاز زوجها على البند الخاص بمصروفه الشخصي، فإنها تأخذ في اتهامه بأنه قد لعب بذيله، وأنه قد انحرف عن الجادة، وأقام علاقات غرامية مع إحدى بائعات الهوى وما شابه ذلك من اتهامات.
سادساً: الشك في أي ملاطفة تصدر عنه مع أي سيدة:
فإذا ما لاطف زوج السيدة الغيور أي أنثى، حتى ولو كانت صغيرة، أو كانت سيدة عجوز، فإنها تقلب الدنيا ظهراً لبطن، وتتهمه بأن نظراته إلى تلك الأنثى وهو يداعبها كانت نظرات كلها إعجاب وشهوة، وكلما أخذ في الدفاع عن نفسه، بأنه لم يكن يقصد ما فسرته بأنه غزل، ولم يكن سوى ملاطفة بريئة، فإنها تزداد كيداً على أن نظراتها لا تخيب ظنها وأنه ليس بريئاً من الاتهام الذي توجهه إليه وهكذا تكون نار الغيرة.
سابعاً: تفسير أي تراخ جنسي معها بأنه نتيجة للخيانات الزوجية:
أخيراً فإن الزوجة الغيور، تتعلل بأن زوجها ما دام لا يواظب، ولابد من المباشرة، كما كان حاله قديماً خلال شهر العسل فإن هذا ينهض في نظرها بأنه دليل قاطع على أن فتوره الجنسي ليس له سوى تفسير واحد، هو أنه قد انصرف عن حبها، وتعلّق قلبه بأنثى أخرى لا تعرفها، وأنه من المؤكد أن له علاقات جنسية غير مشروعة مع غيرها.
أثر الغيرة الزائدة لدى الزوجة في موقف زوجها منها
علينا بعد هذا أن نتساءل عن أثر الغيرة الزائدة التي تعتمل في قلب الزوجة الغيورة جداً في علاقتها بزوجها، فنجد أن تلك الغيرة ينتج عنها ما يلي:
– الممنوع مرغوب بالنسبة للزوج:
فما دامت الزوجة الغيور تتهم زوجها مسبقاً، إذن فله الحق في أن يحيل شكّها إلى يقين وواقع سلوكي بالفعل، فهي تحاول الحيلولة بينه وبين الاقتراب من أي أنثى وتسجنه في قمقم لا يطل منه على أي فتاة أو امرأة كائنة من كانت، فهو إذن يهفو إلى أن يتنسّم نسيم الحرية، وأن ينطلق في ممارسة المغامرات الجنسية بحيث لا يلوى على شيء، ولا يتحرج من أي شيء، ولا يخشى من انفضاح أمره، وذلك لأن الضغط الشديد والغيرة المبالغة فيها تولدان الانفجار والفجور على السواء والممنوع مرغوب بالنسبة للزوج.
– الزهد الجنسي في الزوجة:
ومما لا شك فيه، أن الغيرة الشديدة من جانب الزوجة الغيور، ورغبتها في الاستئثار بزوجها جنسياً ونفسياً واجتماعياً، كما يكون له رد فعل عكسي فهو بدلاً من أن يقبل عليها مثلما تقبل هي عليه، فإنه يتباعد عنها، والموقف هنا شبيه بموقف الأم التي تلح على طفلها لكي يتناول أكبر كمية من الطعام الذي أعدته له، فكثرة إلحاحها عليه بأن يتناول الطعام، تجعله نافراً منه، وغير مقبل عليه، بل ويصير زاهداً فيه، ومشمئزاً منه، فبدلاً من أن يقبل هو برغبته في الطعام، فإن إجباره على تناوله، يحمله على النفور منه، والزهد فيه، وكذلك الحال بالنسبة للزوجة الغيور فإن شدة تمسكها بزوجها ولهفتها عليه، تجعلانه نافراً من معاشرتها، ونائياً عن الإقبال عليها ومتحاشياً مجالستها ومحاولة التناغم وجداّنياً معها.
– الشك المتبادل:
ومن النتائج التي يمكن أن تترتب على الغيرة الشديدة من جانب الزوجة على زوجها، إنه بدوره يضيّق عليها الخناق، ويلتهب غيرة عليها، بل إنه يبادلها الشكوك فعندما تتحدث عن أي رجل، فإنه يقلب لها ظهر المحبة، ويجعل حياتها جحيماً، فإذا ما أخذت بالشكوى من غيرته الشديدة عليها، فإنه يذكّرها بأنها أكثر منه إبداءً للغيرة عليه، وأنها هي البادئة في الشك في سلوكه، وهكذا ينشب النزاع ويزداد شدة يوماً بعد يوم إلى أن ينتهي حالهما إلى الفراق، أو الاستمرار في حالة النزاع وتشكّك وتبادل للاتهامات دون ما طائل، وبغير التوصل إلى حل لمشكلتهما فالغيرة الزائدة تؤدي إلى الشك المتبادل.
– هروب الزوج من البيت:
ومن النتائج التي يمكن أن تترتب على الغيرة الشديدة المشتعلة في قلب الزوجة على زوجها تهربه الدائم من البيت، وقد ينتحل الأعذار لتبرير تغيبه عن البيت، فهو قد يبحث عن عمل إضافي، أو يجلس مع أصدقائه بالمقهى، أو يتزاور مع أصدقائه، أو ينتسب إلى نادٍ رياضي بعد الظهر للتدرب على إحدى المهارات، لا لأنه يرغب في اكتساب مهارة جديدة، بل لمجرد الهروب من وجه زوجته الغيور لأطول مدة ممكنة، بحيث لا يرجع إلى البيت إلا لتناول العشاء والنوم، أو الجلوس أمام شاشة التلفزيون أو الكمبيوتر لمتابعة البرامج.
– مداومة التشكّك من الزوجة:
زوج المرأة الغيورة دائم التشكك من زوجته لكل من يصادفهم أو يأنس إليهم فهو قد يشكو منها حتى لمن يأنس إليهم من زميلات العمل، أو الجارات وكلما تدخلت إحدى الزميلات أو إحدى الجارات للتوفيق فيما بينهما، فإن زوجته الغيور تشتط غضباً، وتهاجمها، وتتهمها بأنها على علاقة بزوجها، وهذا ما يحدو بها إلى أن تتدخل بطريقة ماكرة بينهما، فهو بتشكيه لهذه أو تلك، يحيل حياته الزوجية إلى جحيم لا تخمد ناره، ولا يتسنى له أن يهدأ أو يستقر بأي حال من الأحوال وهذا من نتائج الغيرة الزائدة.
– كراهية جميع النساء:
فالواقع أن زوج المرأة الغيور، يأخذ في كراهية زوجته، ثم يعمم إحساسه بالكراهية إزاء جميع النساء، فيكره الحياة الزوجية، ويندم على أنه ارتبط بقيود الزواج الذي كان يحسب أنه نعيم وسعادة، ولكنه اكتشف أنه جحيم وتعاسة، وقد تتطور كراهية زوجة المرأة الغيور إلى الاعتداء عليها بالضرب وكيل الإهانات المستمرة لها، كما أنه يتمنى لو يقوم بخنق جميع النساء، أو يتمنى لو أن كارثة تحيق بهن جميعاً فتقضي عليهن بغير رحمة أو هوادة.
– الرغبة في التحرّر والإفلات:
أخيراً فإن زوج المرأة الغيور، يتمنى أن يتخلص منها تماماً والبعض من أولئك الأزواج، يعمدون بالفعل إلى ارتكاب الجرائم بالاعتداء على زوجاتهم، إما بإصابتهن بالعاهات أثناء ضربهن، وإما باغتيالهن والقضاء على حياتهن، فزوج المرأة الغيور يحاول الإفلات من قبضتها بأية وسيلة، وهدم عش الزوجية الذي يجمعهما تحت سقف واحد.
إحدى عشرة نصيحة لتكسبي زوجك
أولاً:
 اعلمي أختي الزوجة أنك لستِ المرأة الأولى في حياة زوجكِ، فالغيرة التي تشعر بها الزوجة من المحيطين بزوجها من أمه أو أخته أو والده أو أصدقائه أو حتى هواياته الخاصة مثل المطالعة أو حتى عمله.. هذه غيرة عمياء.. واعلمي أن المرأة الأولى في حياة زوجك هي أمه التي تعرف عنه كل شيء منذ أن كان رضيعاً، تحمله بين ذراعيها وتعرف عنه أكثر مما تعرفين عنه، بل أكثر مما يعرفه هو عن نفسه.
وأكثر الأمهات - هداهن الله - ترى أن الزوجة تسلبها أغلى ما لديها، الرجل الذي سهرت عليه وتعبت وبذلت الكثير حتى صار كبيراً فهل تقفين موقف المتنافس مع أمه؟ كل واحدة ترى أن لها وحدها الحق فيه.
فينبغي أن يكون هناك تعاون من أجله، استشيريها دائماً، فهذا يُشعر والدته أنك حريصة عليه، محبة له، وأوصي زوجك أن يبّر أمه، ويزورها وينفق عليها ويجلس معها ويسألها عن حاجاتها فبذلك تكسبين قلبه وقلبها.
ثانياً:
 احذري إخفاء الأمور عن الزوج، تجنّبي إخفاء أمور قد ترين أنه لا ضرر من إخفائها، لكنها حين تعرف من غيرك تكون سبباً في سوء ظن خطير يفسد العلاقات ويدّمر الصلات ويقطع الوشائج، إليك مثلاً: أحد الأشخاص المجهولين يبدأ بمعاكسات هاتفية لا تستجيبين لها، وتتضايقين منها، لكنك تخفين أمرها عن زوجك حرصاً منك على عدم إزعاجه أو مضايقته، فماذا يحدث ؟ يصدف أن تتكرر هذه المعاكسات في وجود زوجك فيرفع السماعة فيفاجأ بغلق الخط عند سماعه صوت زوجك فيسألك، فتجيبين معاكس. إنه يتصل منذ فترة. فتثور ثائرة زوجك لأنك أخفيت عليه طوال هذه الفترة.
وقد لا يقبل زوجك تبريرك بل قد يسيء الظن بك وقد تفتحين عليك باباً من الشجار الزوجي الذي لا ينتهي بسلام، وكان يمكنك أن تتقي هذا الموقف لو أخبرتِه منذ البداية، وكما يجب أن تحذري من إخفاء أخطاء أولادك عن أبيهم بدافع الحب والعطف عليهم وخشيتك من عقاب أبيهم الشديد لهم، لأن نتيجة ذلك استمرار الأبناء في الخطأ وثباتهم عليه لأنهم وجدوا في أمهم ساتراً لهم عن أبيهم، وحامياً لهم من عقابه، فمثلاً في بداية تدخين الأولاد تخفي الزوجة عن زوجها هذا الأمر، وربما تهدد الولد بإخبار أبيه أو تأخذ منه علبة السجائر أو تصرخ فيه ولكن لابد من إخبار الوالد منذ البداية، فلا تخافي أيتها الزوجة من عقاب الوالد لولده مهما كان شديداً، لأنه يبقى أهون بكثير من عقاب الحياة في المستقبل، أو عقاب القانون إذا استمر الخطأ وكبر حتى أصبح جريمة، ولعلك تختارين أيتها الزوجة الذكية الوقت المناسب لإخبار الزوج بخطأ الأولاد وهو في الليل بعد أن ينام الطفل حتى تتجنبي غضب الزوج وعصبيته، ويضطر إلى الانتظار إلى الصباح، وبذلك يكون الوالد قد هدأ قليلاً، وسكنت أعصابه الثائرة، وخفّ غضبه ويمكنه معالجة الأمر بهدوء وروية كذلك يكون الولد خارج البيت، لإعطائه فرصة لكي تهدأ مشاعر الزوج وثورته.
ثالثاً:
 الزوجة الذكية اللبقة هي التي تحرص على استرضاء زوجها وكسب مودته ومحبته ببعض الكلمات الرقيقة الحانية.
رابعاً:
 عزيزتي الزوجة تتبّعي كل الأساليب التي تكسب مودة زوجك وتبعد عنك غضبه وكراهيته، وتجعل علاقتك به علاقة انسجام، وود وتفاهم.
أما بالنسبة لمعاملة والدة زوجك وأخواته وقريباته، فاحرصي على ذكرهن بخير أمام زوجك حتى ولو وصفتهن بأخلاق حسنة ليست منهن واذكريهن بصفات فاضلة لا تنطبق عليهن، فبهذا يحبك زوجك كثيراً، وسيقّدر ذكرك الحسن له وأهله، وسينقل حديثك عنهم إليهم، فيستميل به قلوبهم نحوك ويخفف من حملتهم عليكِ.
خامساً:
 اجعلي بيتك واحة أمن وسعادة لك ولزوجك ولأولادك، واحرصي على استقبال زوجك حين عودته إلى بيته ولا تحدثيه مباشرة بما يبعث في نفسه الضيق ولا تذكِّريه بهمومه ولا تفتحي في عينيه المشاكل.
سادساً:
 اهتمي بمظهرك وزينتك لزوجك، وتزيني له بكل ما تملكين من نفيس وغال لتكوني في أجمل حلة وأبهى زينة وأحسن شكل، واحرصي على تجديد ثيابك ومظهرك حتى يراك كأجمل امرأة في العالم.
سابعاً:
 حافظي على حياتك الزوجية من أجل صحتك، عزيزتي الزوجة، فإن المرأة السعيدة بزواجها تتمتع بجهاز مناعة أقوى من التعيسة وأن المتزوجة عامة تتمتع بنظام مناعة أقوى من غير الزوجة، وإن تجاوزت الخامسة والثلاثين فاحرصي على زواجك، وما يوفّره من استقرار نفسي فإنه يبقي الخير كل الخير للمرأة والمجتمع.
ثامناً:
 لا تبخلي على زوجك وشريك حياتك بكلمات الحب والعطف والحنان، وأعطيه الفرصة ليتعّرف على المشاعر التي تولدها لمسة عاطفية أو لحظة اهتمام فإن محصلة اهتمامك به ستكون مثيرة لاهتمامه بك بالطريقة العاطفية ذاتها، وضعي كلمات الحب في أذنه حتى يتعلّم كيف يستخدمها، ودعيه يشعر بالألفة مع تعابيرك العاطفية ولا تبخلي عليه بالإعجاب، وعليك أن تشجعيه بالابتسام والقبول الواضح لمحاولاته، ولا تنتظري حتى يقول ما تتطلعين إليه بشكل كامل، لا تيأسي من محاولاتك واصبري عليه لأن الرجل يتعلّم منذ طفولته كيف يخفي عواطفه خلف مظهرها.
تاسعاً:
 ابعدي عنه الهواجس والأفكار المسببة للغضب، ولا تسمحي بزيادتها والْتمسي الأعذار، وإذا كنت مشدودة الأعصاب فحاولي الاسترخاء قدر الإمكان.
عاشراً:
 لو نظرتِ إلى ما في صبرك على زوجك من أجر، فلربما تمنيت أن تكون طباعه غير الحسنة أكثر من طباعه الحسنة، لأن حلمكِ واهتمامك لإهماله أو لقسوته فيهما أجر كبير لك عند الله تعالى.
إحدى عشر:
 اقبلي مصالحة زوجك وشجعيه عليها، وابدئي أنتِ هذه المصالحة إذا كنت المخطئة أو المسيئة إلى زوجك، وقللّي من توجيه اللوم إلى زوجك وكذلك النقد تجنباً لإثارة مشاعر الكراهية المتبادلة بينكما.
وأخيراً سبع نصائح لابتسامة دائمة لزوجتك
يقول الاختصاصيون إنه ليس صعباً أبداً على الزوج أن يجعل زوجته دائمة الابتسام، ولتحقيق ذلك عليك اتباع هذه النصائح
1 - لا تنقل تعب عملك إلى بيتك، بل تعلم كيف تفصل بين الاثنين، وتبتسم بمجرد دخولك إلى المنزل.
2 - عامل زوجتك مثلما تحب أن تعاملك، فلا تكن ذلك الإنسان العصبي المزاج الذي يثور لأتفه الأسباب، ثم تنتظر من زوجتك أن ترد عليك بابتسامة وبشاشة، والأفضل أن تحرص على أن تكون معاملتك لطيفة لكي ينعكس ذلك على نفسيتها وبالتالي على حياتكما معاً.
3 - لا تنسَ أن المرأة تحب كثيراً أن تسمع من زوجها بين حين وآخر كلمات الإطراء والمدح، سواء على شكلها ولباسها أو أي عمل تقوم به، عندها سترى مقدار سعادتها من خلال البسمة التي ترتسم على وجهها.
4 - تذكّر دائماً زوجتك في المناسبات الخاصة بها، فإن اهتمامك بهذا الأمر ينعكس على نفسيتها ويجعلها إنسانة سعيدة بحياتها معك وسترد عليك بتلك البسمة التي تبحث عنها.
5 - إذا وجدت زوجتك في حالة من الاكتئاب نتيجة تعب أو إرهاق بسبب الأطفال أو عمل البيت، فحاول بين فترة وأخرى أن تخرجها من الحالة التي هي فيها، كأن تدعوها لتناول وجبة عشاء خارج المنزل أو تذهبا في نزهة تسليها وتنسيها تعبها، وتعيد البسمة لوجهها من جديد.
6 - ليس عيباً أن تشعر زوجتك برغبتك في مساعدتها بأعمال المنزل خاصة في أوقات العطلات، فإن ذلك يشعرها بمدى احترامك وتقديرك للشراكة الزوجية بينكما، وبالتالي ينعكس على نفسيتكما ويريحكما كثيراً.
7 - تجنّب أن تشعر زوجتك بأنك الزوج الآمر والمطاع في البيت وأنها الزوجة الخادمة المربية للأطفال، بل اطلب منها ما تريده بعبارات ذكية بعيدة عن لغة الأمر، وتأكد من إنك ستحصل على جميع طلباتك وفوقها ابتسامة عريضة.



المصدر : الباحثون العدد 44 شباط 2011

العنف الزوجي.. ملاحظات نفسية - الدكتور حسان المالح.اعداد الاستشارية النفسية نصيرة يرجة الجزائر



العنف الزوجي.. ملاحظات 
نفسية - الدكتور حسان المالح
يبدو أن العلاقات الزوجية لاتقوم على العطاء والحب والتبادل والعيش المشترك والسلوك التعاوني فقط.. ففي العلاقة الزوجية بين الرجل والمرأة ملامح متنوعة من السلوك العدواني ومن العنف تختلف في درجتها وشدتها وتكرارها.. وأيضاً في آثارها من علاقة لأخرى ووفقاً للظروف والبيئة والمحيط والثقافة التي تعيش فيها هذه العلاقة.
مظاهر العنف

 وتتعدد أشكال العنف ودرجاته بين الزوجين.. وأخف هذه الأشكال تقطيب الحاجبين وعدم الاستحسان لكلمة أو فعل من الزوج أو الزوجة تجاه شريكته أوشريكها.. والمخالفة في الرأي حول موضوع معين.. والتهكم والممازحة الثقيلة.. والتأجيل والتسويف والمماطلة لفعل ما يطلبه الشريك الزوجي أو يرغب فيه.. وأيضاً النسيان وعدم الانتباه لما يرضي الشريك.. وكل ذلك من السلوكيات اليومية المقبولة عموماً والتي تزعج الطرف الآخر وتثير غضبه أو انزعاجه.. ويجري تدارك نتائج ذلك بشكل أو بآخر مثل الاعتذار أو اعتبار ما حدث من قبيل سوء التفاهم أو المزاح والدعابة، وغيره مما يمكن له أن يعدل من نتائج السلوك العدواني مثل تقديم هدية أو تحضير عشاء لذيذ وغير ذلك..
والدرجات الأعلى من العنف تشمل الصمت وعدم النظر للشريك والغياب المتكرر عن المنزل والهجر الجنسي وغير ذلك..
وأشكال العنف الزوجي الأكثر شدة تتضمن رفع الصوت واشتداد حدته.. ثم السخرية والتعيير والسباب والشتائم.. وهي جميعها أشكال من السلوك العدواني والأذى يقوم به أحد الطرفين ويستدعي الدفاع أو الهجوم المعاكس من الطرف الآخر..
والعنف الجسدي يعتبر أشد درجات العنف.. وهو خطِر ويشمل البصق والقرص والعض وغرز الأظافر في جسد الآخر، والصفع والدفع وتوجيه الضربات واللكمات بالأيدي والأرجل، ورمي وقذف أشياء مختلفة تجاه الآخر، والتهديد باستعمال الأدوات الحادة وغير الحادة أو استعمالها، ومحاولات الخنق والقتل وغير ذلك..
ويحدث ذلك في عديد من العلاقات الزوجية.. ويمكن أن يكون عابراً ونادراً.. ويمكن أن يكون متكرراً ومستمراً.. وبالطبع فإن الرجل هو الذي يقوم بهذه السلوكيات العدوانية الخطيرة في الغالب وفي بعض الحالات يمكن للمرأة أن تقوم بها..
والسلوكيات العدوانية الخطيرة يمكن أن تؤدي إلى الأذى الجسمي أو الموت.. دون قصد أو عمد.. وفي حال ظهورها لابد من معالجتها والسعي الجاد لمنعها..
وفي المراحل الأولى من الزواج لابد من استشارة الأهل وإخبارهم بما حدث.. لأن المرأة تحتاج للحماية في مثل هذه الأحوال.. ويمكن للجيران أن يتدخلوا لمنع تفاقم العنف وإنقاذ المعتدى عليها.. ومن المطلوب وضع خطة واضحة تؤكد على رفض مثل هذا العنف وعدم قبوله.. وإلا فإن الحياة الزوجية تصبح مستحيلة ويفضل الطلاق عندها.. وفي مراحل الزواج الأخرى المتقدمة لابد من السعي إلى حماية المرأة واستدعاء الشرطة في بعض الأحيان إضافة لاستدعاء الأهل أو المعارف أو الجيران، ولا بد من وضع خطة واضحة على مراحل لتأهيل الزوج ومساعدته على ضبط نفسه من خلال الأهل والاختصاصيين بما فيهم رجال القانون والاختصاصيين النفسيين.
نصائح فورية
النصائح الفورية في حالات العنف أن تحاول المرأة التخفيف من الاستفزاز وتعديل الإشارات والألفاظ التي تظهر منها والتي تؤدي إلى تفاقم العنف عادة.. مثل إظهار الخضوع بدلاً عن التحدي والتمرد ورفع الصوت والرأس، وأيضاً الابتعاد المكاني وعدم البقاء في نفس المساحة المكانية. كما أن التوضيح للرجل بضرورة التوقف عن الشجار وتأجيل مناقشة موضوع ما إلى وقت آخر أكثر هدوءاً يمكن أن يفيد في تخفيف العنف وكذلك التذكير بضبط النفس والتعوذ من الشيطان وغير ذلك مما يهدئ النفس والغضب..
الأسباب
ولابد من الإشارة إلى أن السلوك العدواني العنيف له أسباب متنوعة.. وتختلف أساليب التعامل مع المشكلة وفقاً لأسبابها.. وكثيراً ما يكون العنف بسبب وجود صفات الشخصية الاندفاعية لدى الشخص العنيف والتي تجعله يفقد السيطرة على أعصابه بسهولة.. وبالطبع فإن استعمال بعض المواد الإدمانية له دور كبير في حدوث العنف. وفي حالات الشك المرضي الناتجة عن مرض نفسي يزداد العنف ويمكن أن يؤدي إلى نتائج خطيرة. كما أن صفات الشخصية العدوانية المضادة للمجتمع والتي تقوم بسلسلة من التصرفات المعادية للمجتمع مثل السرقة والغش والاحتيال وغير ذلك.. تزداد لديها السلوكيات العدوانية في العلاقة الزوجية. ويمكن للعنف الزوجي أن ينتقل بالتعلم من أسرة الزوج وأبيه إلى أسرته هو وزوجته. كما أن ضرب الزوجة لا يزال عرفاً شائعاً ومقبولاً في بعض البيئات الريفية الجاهلة..
وأخيراً.. لابد من التأكيد على أن الزوجة يمكن لها أن تساهم باستمرار العنف الزوجي أو تطوره نحو الأسوأ.. وذلك من خلال صمتها وخوفها من فضح زوجها.. حيث يؤدي ذلك إلى التخفيف من نشوء الضوابط الرادعة للزوج ويجعله أكثر انفلاتاً وعنفاً.. ولابد أيضاً من التأكيد على أن الوقاية خير من العلاج من خلال تعميق أساليب التفاهم والحوار البناء بين الزوجين بمختلف الطرق.. وأيضاً التأكيد على جوانب الحب والمودة والرحمة وحل المشكلات باستمرار وعدم تأجيلها..
وتبقى العلاقة الزوجية لغزاً صعباً ومحيراً تحتاج إلى مختلف الجهود لدعمها والتخفيف من مشكلاتها..


المراجع:
حياتنا النفسية، الدكتور حسان المالح وآخرين، دار الفكر، دمشق 2006

عندما تهدّد الغيرة الزائدة الحياة الزوجية - هبة الله الغلاييني.اعداد الاستادة تصيرة البرجة .استشارية نفسية الجزائر


عندما تهدّد الغيرة 
الزائدة الحياة الزوجية - هبة الله الغلاييني
 لاشك بأن هناك علاقة تبادلية بين أي شخصين يحبان بعضهما بعضاً، وتتمثل هذه العلاقة أكثر ما تتمثل في الغيرة التي تعتمل في قلب كل منهما تجاه الآخر، ولكن شأن الغيرة شأن أية ظاهرة نفسية أخرى، فالثقة بالنفس إذا ما زادت عن حدّها، فإنها تتحول إلى كسل، وقسْ على ذلك جميع الظواهر النفسية التي تعتمل بأكثر مما يجب في قوام المرء، فتخرج عن حدود السوّية إلى الانحراف النفسي، فإذا ما زادت الغيرة عن حدّها المناسب، فإنها تعمل على إفساد العلاقات القلبية القائمة فيما بين الزوجين.
وللغيرة الزائدة مظاهر تدل عليها وسلوكيات تشير إليها منها
أولاً: مصادر حرية الزوج:
فالزوجة المصابة بالغيرة الزائدة تعمل على شل حركات وتصرفات زوجها، وتحاول أن تحول بينه وبين إقامة أي علاقة كائنة ما كانت بأي من أفراد الجنس الآخر، فمهما برهن لها زوجها على أن طبيعة عمله تقتضي وجوب الاتصال ببعض أفراد الجنس الآخر فإنها تثور وتموج، وتقلب الدنيا ظهراً لبطن، معتقدة أنه يتخذ من هذه الحجج ذرائع واهية لإقامة علاقات غرامية مع من يتصل بهن، ويتعامل معهن، ومن الطبيعي أن الزوج الحريص على العلاقات الزوجية، والذي يحاول إسعاد زوجته يأخذ في الحذر بقدر المستطاع من التعامل مع أي من أفراد الجنس الآخر اللطيف، خوفاً على مشاعر زوجته، وخشية أن تفاجئه وهو يتحدث مع زميلة له في أي شأن من الشؤون.
ثانياً: مراقبة تحركاته وسكناته:
والزوجة المفعمة بالغيرة الزائدة، تدأب على تشديد الرقابة على زوجها سواء في يقظته أم في نعاسه، فهي تراقب كل حركة من حركاته، وحتى في أثناء نومه، فإذا ما انخرط في بعض الأحلام المصحوبة بكلام مسموع، فإنها تأخذ في التنصّت لكل كلمة يتفّوه بها، لعلّها تلتقط كلاماً تفهم منه شبهة علاقة غرامية بينه وبين أية من بنات حواء، أو قد يكون قد وقع في مصيدة حب يدور صداه بخلده، أو اعتمال رغبة جنسية مكبوتة لديه لم تجد متنفساً لها إلا من خلال أحلامه كما أنها تراقب تحركاته إذا ما اقترب من الشرفة أو الشباك، فتظن أنه ربما يغتنم أي فرصة للفت أنظار بعض الجارات، وبخاصة من تعتقد أنهن أكثر جمالاً وجاذبية وخفة دم منها، علماً بأنه غير جدير بثقتها، بل أنه قابل ومشوق لأن يقيم علاقات غرامية مع كل من يقبلن أو يرغبن في إقامة علاقات غرامية معه.
ثالثاً: التجسّس عليه خارج البيت:
والزوجة الغيور لا تكتفي بمراقبة حركات وسكنات زوجها، سواء في يقظته أم منامه، بل تتبعه خارج البيت، سواء في الشارع، أم في مقّر العمل فهي تجنّد العيون، للتجسس عليه ونقل أخباره وتحركاته وسكناته إليها وإخبارها عما دار بينه وبين غيره من أحاديث فحتى الأحاديث التي تدور بينه وبين أي من الرجال، فإنها تهتم بالوقوف عليها، إذ ربما تتضمن أخباراً عن علاقاته الجنسية مع بعض النساء، ناهيك عما يدور بينه وبين أي من بنات حواء، المهم أن تصلها كل أخباره لعلها تقع على أي انحراف جنسي في سلوكه خارج البيت.
رابعاً: النبش عن ماضيه الجنسي:
والزوجة المصابة بالغيرة الزائدة عن المعقول، لا تكتفي بمراقبة سلوك زوجها، أو مصادرة حريته في الاتصال ببنات حواء، بل تأخذ في التساؤل عن سلوكه قبل الاقتران بها، فتسأل أفراد أسرته، عما إذا كانت له مغامرات جنسية قبل الزواج، وهل ضبط متلبساً جنسياً مع واحدة من الجارات أو مع إحدى الشغالات، أو إنه كان يحاول معاكسة إحدى الشابات في الشارع أو من الشباك، وما إلى ذلك من استفسارات حول سلوكه الجنسي قبل الزواج، فإذا ما علمت أنه كان يتحرش جنسياً بشكل أو بآخر، أو أنه كان على علاقة بشبابه، فإنها تقلب له ظهر المجن، وتأخذ في توبيخه ومعايرته بزلاته الجنسية، مؤكدة أنه ما دام قد انحرف قبل الزواج، فإنه يكون إذن على استعداد لأن ينحرف بعد الزواج، وثم فإنها تشدّد الرقابة عليه، وإذا ما وصل إلى البيت متأخراً عن الموعد المقرر لعودته، فإنها تنصب له محاكمة توبخه خلالها وتتهمه بأنه لابد قد التقى بحبيبة القلب، ووقف معها في الطريق يتغزل بجمالها، أو ربما يكون قد ضرب لها موعداً للقائها بأحد الكازينوهات، وتأخذ في الإلحاح عليه لكي يعترف بما عمله خلال ذلك الوقت الذي تأخر فيه عن العودة إلى البيت، وقسْ على هذا اهتمامها بالوقوف على جميع التصرفات التي تربط فيها تلك الزوجة الغيور بين ماضي زوجها لحاضره وتتهمه بأنه ما زال غارقاً حتى أذنيه في غرامياته التي سبقت الزواج، وأن حاله لن ينصلح أبداً ما دام قد أعوّج سلوكه قبل الزواج.
خامساً: الرقابة المالية عليه والتضييق على مصاريفه الشخصية:
الزوجة الغيور تخشى أن ينفق زوجها ماله ويبدّده لجلب مرضاة من يلعبن بقلبه، ويستولين على مقاليد شخصيته، فهي تدأب على محاسبته على كل قرش أنفقه، والوقوف بدقة على أوجه الإنفاق التي أنفق مصروفه الخاص فيها، ذلك أن الزوجة الغيور، تحاول جاهدة أن تتولى هي زمام الموقف المالي، فتمسك بزمام الميزانية، وتقوم بالتخطيط لبنودها وتوزيع أوجه الإنفاق على تلك البنود التي تحدّدها، فإذا ما جاز زوجها على البند الخاص بمصروفه الشخصي، فإنها تأخذ في اتهامه بأنه قد لعب بذيله، وأنه قد انحرف عن الجادة، وأقام علاقات غرامية مع إحدى بائعات الهوى وما شابه ذلك من اتهامات.
سادساً: الشك في أي ملاطفة تصدر عنه مع أي سيدة:
فإذا ما لاطف زوج السيدة الغيور أي أنثى، حتى ولو كانت صغيرة، أو كانت سيدة عجوز، فإنها تقلب الدنيا ظهراً لبطن، وتتهمه بأن نظراته إلى تلك الأنثى وهو يداعبها كانت نظرات كلها إعجاب وشهوة، وكلما أخذ في الدفاع عن نفسه، بأنه لم يكن يقصد ما فسرته بأنه غزل، ولم يكن سوى ملاطفة بريئة، فإنها تزداد كيداً على أن نظراتها لا تخيب ظنها وأنه ليس بريئاً من الاتهام الذي توجهه إليه وهكذا تكون نار الغيرة.
سابعاً: تفسير أي تراخ جنسي معها بأنه نتيجة للخيانات الزوجية:
أخيراً فإن الزوجة الغيور، تتعلل بأن زوجها ما دام لا يواظب، ولابد من المباشرة، كما كان حاله قديماً خلال شهر العسل فإن هذا ينهض في نظرها بأنه دليل قاطع على أن فتوره الجنسي ليس له سوى تفسير واحد، هو أنه قد انصرف عن حبها، وتعلّق قلبه بأنثى أخرى لا تعرفها، وأنه من المؤكد أن له علاقات جنسية غير مشروعة مع غيرها.
أثر الغيرة الزائدة لدى الزوجة في موقف زوجها منها
علينا بعد هذا أن نتساءل عن أثر الغيرة الزائدة التي تعتمل في قلب الزوجة الغيورة جداً في علاقتها بزوجها، فنجد أن تلك الغيرة ينتج عنها ما يلي:
– الممنوع مرغوب بالنسبة للزوج:
فما دامت الزوجة الغيور تتهم زوجها مسبقاً، إذن فله الحق في أن يحيل شكّها إلى يقين وواقع سلوكي بالفعل، فهي تحاول الحيلولة بينه وبين الاقتراب من أي أنثى وتسجنه في قمقم لا يطل منه على أي فتاة أو امرأة كائنة من كانت، فهو إذن يهفو إلى أن يتنسّم نسيم الحرية، وأن ينطلق في ممارسة المغامرات الجنسية بحيث لا يلوى على شيء، ولا يتحرج من أي شيء، ولا يخشى من انفضاح أمره، وذلك لأن الضغط الشديد والغيرة المبالغة فيها تولدان الانفجار والفجور على السواء والممنوع مرغوب بالنسبة للزوج.
– الزهد الجنسي في الزوجة:
ومما لا شك فيه، أن الغيرة الشديدة من جانب الزوجة الغيور، ورغبتها في الاستئثار بزوجها جنسياً ونفسياً واجتماعياً، كما يكون له رد فعل عكسي فهو بدلاً من أن يقبل عليها مثلما تقبل هي عليه، فإنه يتباعد عنها، والموقف هنا شبيه بموقف الأم التي تلح على طفلها لكي يتناول أكبر كمية من الطعام الذي أعدته له، فكثرة إلحاحها عليه بأن يتناول الطعام، تجعله نافراً منه، وغير مقبل عليه، بل ويصير زاهداً فيه، ومشمئزاً منه، فبدلاً من أن يقبل هو برغبته في الطعام، فإن إجباره على تناوله، يحمله على النفور منه، والزهد فيه، وكذلك الحال بالنسبة للزوجة الغيور فإن شدة تمسكها بزوجها ولهفتها عليه، تجعلانه نافراً من معاشرتها، ونائياً عن الإقبال عليها ومتحاشياً مجالستها ومحاولة التناغم وجداّنياً معها.
– الشك المتبادل:
ومن النتائج التي يمكن أن تترتب على الغيرة الشديدة من جانب الزوجة على زوجها، إنه بدوره يضيّق عليها الخناق، ويلتهب غيرة عليها، بل إنه يبادلها الشكوك فعندما تتحدث عن أي رجل، فإنه يقلب لها ظهر المحبة، ويجعل حياتها جحيماً، فإذا ما أخذت بالشكوى من غيرته الشديدة عليها، فإنه يذكّرها بأنها أكثر منه إبداءً للغيرة عليه، وأنها هي البادئة في الشك في سلوكه، وهكذا ينشب النزاع ويزداد شدة يوماً بعد يوم إلى أن ينتهي حالهما إلى الفراق، أو الاستمرار في حالة النزاع وتشكّك وتبادل للاتهامات دون ما طائل، وبغير التوصل إلى حل لمشكلتهما فالغيرة الزائدة تؤدي إلى الشك المتبادل.
– هروب الزوج من البيت:
ومن النتائج التي يمكن أن تترتب على الغيرة الشديدة المشتعلة في قلب الزوجة على زوجها تهربه الدائم من البيت، وقد ينتحل الأعذار لتبرير تغيبه عن البيت، فهو قد يبحث عن عمل إضافي، أو يجلس مع أصدقائه بالمقهى، أو يتزاور مع أصدقائه، أو ينتسب إلى نادٍ رياضي بعد الظهر للتدرب على إحدى المهارات، لا لأنه يرغب في اكتساب مهارة جديدة، بل لمجرد الهروب من وجه زوجته الغيور لأطول مدة ممكنة، بحيث لا يرجع إلى البيت إلا لتناول العشاء والنوم، أو الجلوس أمام شاشة التلفزيون أو الكمبيوتر لمتابعة البرامج.
– مداومة التشكّك من الزوجة:
زوج المرأة الغيورة دائم التشكك من زوجته لكل من يصادفهم أو يأنس إليهم فهو قد يشكو منها حتى لمن يأنس إليهم من زميلات العمل، أو الجارات وكلما تدخلت إحدى الزميلات أو إحدى الجارات للتوفيق فيما بينهما، فإن زوجته الغيور تشتط غضباً، وتهاجمها، وتتهمها بأنها على علاقة بزوجها، وهذا ما يحدو بها إلى أن تتدخل بطريقة ماكرة بينهما، فهو بتشكيه لهذه أو تلك، يحيل حياته الزوجية إلى جحيم لا تخمد ناره، ولا يتسنى له أن يهدأ أو يستقر بأي حال من الأحوال وهذا من نتائج الغيرة الزائدة.
– كراهية جميع النساء:
فالواقع أن زوج المرأة الغيور، يأخذ في كراهية زوجته، ثم يعمم إحساسه بالكراهية إزاء جميع النساء، فيكره الحياة الزوجية، ويندم على أنه ارتبط بقيود الزواج الذي كان يحسب أنه نعيم وسعادة، ولكنه اكتشف أنه جحيم وتعاسة، وقد تتطور كراهية زوجة المرأة الغيور إلى الاعتداء عليها بالضرب وكيل الإهانات المستمرة لها، كما أنه يتمنى لو يقوم بخنق جميع النساء، أو يتمنى لو أن كارثة تحيق بهن جميعاً فتقضي عليهن بغير رحمة أو هوادة.
– الرغبة في التحرّر والإفلات:
أخيراً فإن زوج المرأة الغيور، يتمنى أن يتخلص منها تماماً والبعض من أولئك الأزواج، يعمدون بالفعل إلى ارتكاب الجرائم بالاعتداء على زوجاتهم، إما بإصابتهن بالعاهات أثناء ضربهن، وإما باغتيالهن والقضاء على حياتهن، فزوج المرأة الغيور يحاول الإفلات من قبضتها بأية وسيلة، وهدم عش الزوجية الذي يجمعهما تحت سقف واحد.
إحدى عشرة نصيحة لتكسبي زوجك
أولاً:
 اعلمي أختي الزوجة أنك لستِ المرأة الأولى في حياة زوجكِ، فالغيرة التي تشعر بها الزوجة من المحيطين بزوجها من أمه أو أخته أو والده أو أصدقائه أو حتى هواياته الخاصة مثل المطالعة أو حتى عمله.. هذه غيرة عمياء.. واعلمي أن المرأة الأولى في حياة زوجك هي أمه التي تعرف عنه كل شيء منذ أن كان رضيعاً، تحمله بين ذراعيها وتعرف عنه أكثر مما تعرفين عنه، بل أكثر مما يعرفه هو عن نفسه.
وأكثر الأمهات - هداهن الله - ترى أن الزوجة تسلبها أغلى ما لديها، الرجل الذي سهرت عليه وتعبت وبذلت الكثير حتى صار كبيراً فهل تقفين موقف المتنافس مع أمه؟ كل واحدة ترى أن لها وحدها الحق فيه.
فينبغي أن يكون هناك تعاون من أجله، استشيريها دائماً، فهذا يُشعر والدته أنك حريصة عليه، محبة له، وأوصي زوجك أن يبّر أمه، ويزورها وينفق عليها ويجلس معها ويسألها عن حاجاتها فبذلك تكسبين قلبه وقلبها.
ثانياً:
 احذري إخفاء الأمور عن الزوج، تجنّبي إخفاء أمور قد ترين أنه لا ضرر من إخفائها، لكنها حين تعرف من غيرك تكون سبباً في سوء ظن خطير يفسد العلاقات ويدّمر الصلات ويقطع الوشائج، إليك مثلاً: أحد الأشخاص المجهولين يبدأ بمعاكسات هاتفية لا تستجيبين لها، وتتضايقين منها، لكنك تخفين أمرها عن زوجك حرصاً منك على عدم إزعاجه أو مضايقته، فماذا يحدث ؟ يصدف أن تتكرر هذه المعاكسات في وجود زوجك فيرفع السماعة فيفاجأ بغلق الخط عند سماعه صوت زوجك فيسألك، فتجيبين معاكس. إنه يتصل منذ فترة. فتثور ثائرة زوجك لأنك أخفيت عليه طوال هذه الفترة.
وقد لا يقبل زوجك تبريرك بل قد يسيء الظن بك وقد تفتحين عليك باباً من الشجار الزوجي الذي لا ينتهي بسلام، وكان يمكنك أن تتقي هذا الموقف لو أخبرتِه منذ البداية، وكما يجب أن تحذري من إخفاء أخطاء أولادك عن أبيهم بدافع الحب والعطف عليهم وخشيتك من عقاب أبيهم الشديد لهم، لأن نتيجة ذلك استمرار الأبناء في الخطأ وثباتهم عليه لأنهم وجدوا في أمهم ساتراً لهم عن أبيهم، وحامياً لهم من عقابه، فمثلاً في بداية تدخين الأولاد تخفي الزوجة عن زوجها هذا الأمر، وربما تهدد الولد بإخبار أبيه أو تأخذ منه علبة السجائر أو تصرخ فيه ولكن لابد من إخبار الوالد منذ البداية، فلا تخافي أيتها الزوجة من عقاب الوالد لولده مهما كان شديداً، لأنه يبقى أهون بكثير من عقاب الحياة في المستقبل، أو عقاب القانون إذا استمر الخطأ وكبر حتى أصبح جريمة، ولعلك تختارين أيتها الزوجة الذكية الوقت المناسب لإخبار الزوج بخطأ الأولاد وهو في الليل بعد أن ينام الطفل حتى تتجنبي غضب الزوج وعصبيته، ويضطر إلى الانتظار إلى الصباح، وبذلك يكون الوالد قد هدأ قليلاً، وسكنت أعصابه الثائرة، وخفّ غضبه ويمكنه معالجة الأمر بهدوء وروية كذلك يكون الولد خارج البيت، لإعطائه فرصة لكي تهدأ مشاعر الزوج وثورته.
ثالثاً:
 الزوجة الذكية اللبقة هي التي تحرص على استرضاء زوجها وكسب مودته ومحبته ببعض الكلمات الرقيقة الحانية.
رابعاً:
 عزيزتي الزوجة تتبّعي كل الأساليب التي تكسب مودة زوجك وتبعد عنك غضبه وكراهيته، وتجعل علاقتك به علاقة انسجام، وود وتفاهم.
أما بالنسبة لمعاملة والدة زوجك وأخواته وقريباته، فاحرصي على ذكرهن بخير أمام زوجك حتى ولو وصفتهن بأخلاق حسنة ليست منهن واذكريهن بصفات فاضلة لا تنطبق عليهن، فبهذا يحبك زوجك كثيراً، وسيقّدر ذكرك الحسن له وأهله، وسينقل حديثك عنهم إليهم، فيستميل به قلوبهم نحوك ويخفف من حملتهم عليكِ.
خامساً:
 اجعلي بيتك واحة أمن وسعادة لك ولزوجك ولأولادك، واحرصي على استقبال زوجك حين عودته إلى بيته ولا تحدثيه مباشرة بما يبعث في نفسه الضيق ولا تذكِّريه بهمومه ولا تفتحي في عينيه المشاكل.
سادساً:
 اهتمي بمظهرك وزينتك لزوجك، وتزيني له بكل ما تملكين من نفيس وغال لتكوني في أجمل حلة وأبهى زينة وأحسن شكل، واحرصي على تجديد ثيابك ومظهرك حتى يراك كأجمل امرأة في العالم.
سابعاً:
 حافظي على حياتك الزوجية من أجل صحتك، عزيزتي الزوجة، فإن المرأة السعيدة بزواجها تتمتع بجهاز مناعة أقوى من التعيسة وأن المتزوجة عامة تتمتع بنظام مناعة أقوى من غير الزوجة، وإن تجاوزت الخامسة والثلاثين فاحرصي على زواجك، وما يوفّره من استقرار نفسي فإنه يبقي الخير كل الخير للمرأة والمجتمع.
ثامناً:
 لا تبخلي على زوجك وشريك حياتك بكلمات الحب والعطف والحنان، وأعطيه الفرصة ليتعّرف على المشاعر التي تولدها لمسة عاطفية أو لحظة اهتمام فإن محصلة اهتمامك به ستكون مثيرة لاهتمامه بك بالطريقة العاطفية ذاتها، وضعي كلمات الحب في أذنه حتى يتعلّم كيف يستخدمها، ودعيه يشعر بالألفة مع تعابيرك العاطفية ولا تبخلي عليه بالإعجاب، وعليك أن تشجعيه بالابتسام والقبول الواضح لمحاولاته، ولا تنتظري حتى يقول ما تتطلعين إليه بشكل كامل، لا تيأسي من محاولاتك واصبري عليه لأن الرجل يتعلّم منذ طفولته كيف يخفي عواطفه خلف مظهرها.
تاسعاً:
 ابعدي عنه الهواجس والأفكار المسببة للغضب، ولا تسمحي بزيادتها والْتمسي الأعذار، وإذا كنت مشدودة الأعصاب فحاولي الاسترخاء قدر الإمكان.
عاشراً:
 لو نظرتِ إلى ما في صبرك على زوجك من أجر، فلربما تمنيت أن تكون طباعه غير الحسنة أكثر من طباعه الحسنة، لأن حلمكِ واهتمامك لإهماله أو لقسوته فيهما أجر كبير لك عند الله تعالى.
إحدى عشر:
 اقبلي مصالحة زوجك وشجعيه عليها، وابدئي أنتِ هذه المصالحة إذا كنت المخطئة أو المسيئة إلى زوجك، وقللّي من توجيه اللوم إلى زوجك وكذلك النقد تجنباً لإثارة مشاعر الكراهية المتبادلة بينكما.
وأخيراً سبع نصائح لابتسامة دائمة لزوجتك
يقول الاختصاصيون إنه ليس صعباً أبداً على الزوج أن يجعل زوجته دائمة الابتسام، ولتحقيق ذلك عليك اتباع هذه النصائح
1 - لا تنقل تعب عملك إلى بيتك، بل تعلم كيف تفصل بين الاثنين، وتبتسم بمجرد دخولك إلى المنزل.
2 - عامل زوجتك مثلما تحب أن تعاملك، فلا تكن ذلك الإنسان العصبي المزاج الذي يثور لأتفه الأسباب، ثم تنتظر من زوجتك أن ترد عليك بابتسامة وبشاشة، والأفضل أن تحرص على أن تكون معاملتك لطيفة لكي ينعكس ذلك على نفسيتها وبالتالي على حياتكما معاً.
3 - لا تنسَ أن المرأة تحب كثيراً أن تسمع من زوجها بين حين وآخر كلمات الإطراء والمدح، سواء على شكلها ولباسها أو أي عمل تقوم به، عندها سترى مقدار سعادتها من خلال البسمة التي ترتسم على وجهها.
4 - تذكّر دائماً زوجتك في المناسبات الخاصة بها، فإن اهتمامك بهذا الأمر ينعكس على نفسيتها ويجعلها إنسانة سعيدة بحياتها معك وسترد عليك بتلك البسمة التي تبحث عنها.
5 - إذا وجدت زوجتك في حالة من الاكتئاب نتيجة تعب أو إرهاق بسبب الأطفال أو عمل البيت، فحاول بين فترة وأخرى أن تخرجها من الحالة التي هي فيها، كأن تدعوها لتناول وجبة عشاء خارج المنزل أو تذهبا في نزهة تسليها وتنسيها تعبها، وتعيد البسمة لوجهها من جديد.
6 - ليس عيباً أن تشعر زوجتك برغبتك في مساعدتها بأعمال المنزل خاصة في أوقات العطلات، فإن ذلك يشعرها بمدى احترامك وتقديرك للشراكة الزوجية بينكما، وبالتالي ينعكس على نفسيتكما ويريحكما كثيراً.
7 - تجنّب أن تشعر زوجتك بأنك الزوج الآمر والمطاع في البيت وأنها الزوجة الخادمة المربية للأطفال، بل اطلب منها ما تريده بعبارات ذكية بعيدة عن لغة الأمر، وتأكد من إنك ستحصل على جميع طلباتك وفوقها ابتسامة عريضة.



المصدر : الباحثون العدد 44 شباط 2011

أثر الإعلانات والبرامج التلفزيونية في سلوك الفرد- سهام شباط.اعداد الاستادة نصيرة شطيبي

أثر الإعلانات والبرامج التلفزيونية في سلوك الفرد- سهام شباط
أثر الإعلانات والبرامج 
التلفزيونية في سلوك الفرد- سهام شباط
إن الأفكار البناءة المنتجة في أيِّ أمة من الأمم هي أعظم ثروة تنالها في حياتها، وأعظم هبة يتسلمها الجيل من سلفه إذا كانت الأمة عريقة في الفكر المستنير، أما الثروة المادية والاكتشافات العلمية، والمخترعات الصناعية، فإن الاحتفاظ بها يتوقف على الأفكار، ولاشك في أن التقدم العلمي والتكنولوجي هو رهن بالتقدم الفكري وليس المعرفي وحده، والتقدم الفكري هو حصيلة لأعمال العقل، والتنور بما يؤدي إلى الإبداع والابتعاد وحسن التدبر، ولم يعد دور الإنسان في هذا العصر منحصراً على التكيف مع الواقع، وإنما تعداه إلى ضرورة تغيير هذا الواقع بما يتناسب وتطلعاته اللامحدودة، وهذا يقودنا إلى ضرورة استبدال أفكار ولعب دور المتلقي إلى تنمية التفكير والإبداع والعطاء، أي عدم لعب دور المتأثر بالأشياء إلى المؤثر بها، وهنا لعبت التكنولوجيا ووسائل الإعلام وبرامجه المنوعة وإعلاناتها دورها الخطير في تغيير شخصية الفرد كبيراً وصغيراً في سلوكه واتجاهاته وأفكاره..
لأننا جميعاً نعرف بأن التفكير لا يأتي دون مقدمات، والتفكير ينمّى ويطوّر عند الإنسان ولذلك يكتسب الإنسان معارفه ومعلوماته ومهاراته وعاداته بتفاعله مع بيئته ومع ذاته التي تقوده إلى البحث عن الجديد والمتطور «بغض النظر عن إيجابياته أو سلبياته» وهنا دور المبرمجين في لعب دور الجاذب والحاضن الخطير والمسؤول عن توجيه سلوك الأفراد. وهنا بحثي يقتصر على تأثير الإعلانات على توجيه سلوك الأفراد ودورها الخطير في تسيير أفكارهم لأننا بطبعنا البشري لا يمكن لنا بأن نكون مشاهدين سلبيين لما نرى إنما يجب أن نتعاطف ونتمثل كل ما نشاهده مع أو ضد.
فهناك إعلانات كثيرة مثلاً تؤثر على اختياراتنا في الطعام فتعرض مثلاً الأطعمة والأغذية بطرائق وأشكال وألوان وموسيقا وأشخاص يأكلونها بسلوكيات فيها من الجذب والتشويق والأصوات الكثير وحتى لو كانت لا تناسبنا فسوف نشتري منها ونتذوقها والطامة الكبرى عندما يتعلق أطفالنا بهذه الأطعمة ويصرّون على تناولها.
والأخطر من ذلك أنه بعد مدة يعلنون بأن هذه الأطعمة فيها من المواد الضارة والمسرطنة الكثير ولذلك سُحبت من السوق! فأين الرقابة على هذا في الإعلانات؟
ولكن بالبحث وراء هذه الإعلانات نجد شركات هدفها المكسب المادي بغض النظر عن قيمتها الغذائية بالنسبة لأطفالنا خاصة، عدا عن أن هذه القضية تتسم بأهمية خاصة الآن في ظل تفاقم معدلات البدانة في أوساط الأطفال بمختلف أرجاء البلاد، الأمر الذي يعد ناجحاً في جزء منه عن جهود تبذلها كيانات تجارية همها الربح، وهناك دراسات كبيرة وفي بلدان كثيرة تركض وراء كثير من الشركات التي تنتج الأغذية والأطعمة على اختلاف أنواعها لتدرس كمية المواد الغذائية والمواد الموضوعة فيها والتي تعد صحية أو غير صحية.
فهناك قول للدكتور "دونان" في أميركا لو كانت شركات الأغذية تروج للموز والقنبيط لما كنا نشعر بالقلق لكن بدلاً من ذلك تتعلق غالبية نشاطات التسويق بحبوب مسكرة أو مخدرة أو سريعة التحضير وأخرى خفيفة أو حلوى وهذه كلها تعد أكبر مسؤول عن البدانة عند الأطفال عدا عن أمراض أخرى.
وهناك دراسات أثبتت بأن من أكثر مشاهدي إعلانات الأغذية هم الأطفال والمراهقين وكلها إعلانات لا تتكلم عن الفواكه أو الخضر أو اللحوم؛ هذا يفسر التأثير السلبي على أنماط الطعام وهذا ما يؤكد على التأثير السلبي على نمو الطفل نفسياً وجسدياً بطريقة سلبية ما يؤدي إلى ظهور أنماط سلوكية سلبية وخاطئة في كثير من الأحيان وخاصة عندما نريد أن نقدم كأهل للأطفال وجبات صحية فنلاحظ الرفض والغضب والامتناع عن تناول الطعام.
نشرت دراسة في آذار 2008 في دورية بدياتريكس طب الأطفال عمدت فيه تحليل العلامات التجارية الخاصة بالأطعمة والأشربة والمطاعم من حيث الإيرادات السنوية لها، فوجدت بأن نسبة كبيرة من الأفلام الموجهة للأطفال والمراهقين تتضمن ظهور علامات تجارية شهيرة "كوكاكولا، بيبسي".
هناك زيادة كبيرة في مبيعات الشوكولا وكذلك الوجبات السريعة التي سيطرت على الأفلام والإعلانات، ورقائق البطاطا بأنواعها واختلاف أطعمتها.. وكأننا نسير خلفها في اللاوعي وهذا دليل خطير، ولعل المهم هي مراقبة هذه الشركات الكثيرة والكبيرة الانتشار.
وهذا الذي قلناه شيء قليل من كثير، أما بالنسبة للإعلانات الأخرى والبرامج الموجهة فأصبحت مثل صناعة السيارات فلديها أشكال وألوان وأفكار متعددة منها الفاخر ومنها المتوسط ومنها المتدني، والإعلان القديم لا يناسب الآن أفكارنا المتطورة حول التكنولوجيا ووسائل عرضها، ولكل مجتمع ثقافته وإعلاناته التي تتعلق بعاداته وتقاليده وهنا التنافس في أوجه فالخطة والتنفيذ والتدقيق والإخراج والمراقبة كلها تقع وتعمل لصالح المؤسسة التي وضعت الإعلان.
ولقد كثرت في الآونة الأخيرة المحطات التلفزيونية الموجهة للأطفال الموجهة شكلاً ومضموناً ونجد أطفالنا مصلوبين أمام التلفاز ساعات وساعات طويلة يشاهدونها ويتلقون منها الكثير أغنيات- طعام- لعب وهذا إن دل على شيء فهو يدل على مدى تأثير الإعلان على سلوكياتهم.
فنجدهم يتقمصون المعاني والكلمات واللباس والحركات ويحفظون الشخصيات ويقلدونها، ويفرحون لفرحها ويحزنون لحزنها، ويطلبون من أهلهم شراء ألعابها ومحفظاتها، ودفاترها وإعلاناتها والتي هي بأسعار خيالية في الأسواق وهنا المشكلة الكبرى التي يعانيها الأهل مع أطفالهم وخصوصاً إذا كانوا من ذوي الدخل المحدود فالطفل لا يعرف هذه المشكلة، الطفل يريد وعلينا التنفيذ وهنا يقع الصراع "فالإعلان قال له إن هذه المحفظة أفضل المحافظ ولا يريد غيرها أو هذه اللعبة أفضل الألعاب، أما الأهل فسوف يشترون ما يناسب دخلهم وهنا المشكلة والحل؟!
إذن مشاهدة هكذا أنواع من البرامج أو الإعلانات التلفزيونية يؤدي إلى نمط سلوكي غير مرغوب فيه، عناد، انفعال، غضب، فقدان التفاعل الاجتماعي، فقدان التواصل الحواري، عدم الإحساس بمشاعر الآخرين، التأخر الدراسي، التقليد الأعمى في المأكل والملبس بشكل لا يتناسب مع مجتمعنا وخاصة ما يفعله المراهقون "من لباس وسلوك، وتصرفات في الشكل والمضمون".
أما البرامج والإعلانات عن المسلسلات فهي تشكل خطورة حقيقية في تنمية الاتجاهات والسلوك الاجتماعي لدينا فنحن شعوب تتعاطف مع الآخرين شئنا أم أبينا، ولذلك نجد بأن أفلام "الرعب، والأكشن، والحروب، والقتال.." كلها تشكل سلوكات وأنماط انفعالية سلبية نحو أنفسنا ونحو الآخرين، وهناك دراسات كثيرة تدل على ذلك، إذ إن أطفالنا ومراهقينا يحبون التقليد وسوف أسرد قصة حقيقية حصلت عام 2010 في حماة مع الطفل فيصل الجمعة المولود 2000م والمقيم مع ذويه الذي شنق نفسه بواسطة حبل دائري على باب إحدى غرف المنزل.
وسبب ذلك بأنه كان يلعب ويقلد إحدى شخصيات شاهدها في التلفزيون، ولعل أكبر مسرحية دالة على هذه السلوكات "مسرحية مدرسة المشاغبين" والتي بقيت أعواماً وأعواماً، يتندر بها الكبير والصغير، ويقلدها المراهقون في المدارس وهذا يدل على تأثير البرامج والإعلانات التلفزيونية على سلوك المراهق.
وهناك استخدام وسائل التكنولوجيا وإعلاناتها على السلوك داخل المدرسة، فإعلانات المسلسلات التي تؤكد على سلوك الطالب داخل مدرسته كثيرة "فهو يستخدم الخليوي ليصور مدرسته داخل الصف ويدخل عليها تعديلات تؤدي إلى مشاكسات وإحراج للمعلمين والمعلمات، وكذلك وضع الحبر على كرسي المعلم، ضربه بالطائرات الورقية، ضربة بالطبشور، إفراغ إطارات السيارات لهم..
وكلها نتيجة رؤية المشاهد لهذه البرامج وتقليدها وكأنها أصبحت جزءاً من حياته.
ولا ننسى بأن مشاهدة الإعلانات التجارية "الرياضية، الفنية، الصحية،  الثقافية، والغذائية.." عبر الإنترنت مخيبة للآمال ومضيعة للوقت والجهد والمال، فهناك أناس مهووسون بهذه التقنية، يعانون من الهوس المرضي تجاهها وأنا أشبهها كالإدمان على المخدرات من الصعب تركها إلا بالعلاجات السريعة، وكأننا نشعر بأن زمننا أصبح في مهب الريح والفساد والضياع ولا سبيل إلى الفرار من هذه اللعنة لأنها برأيي كمربية سيئاتها أثرت على إيجابياتها والسبب سوء استخدامها من قبل الإنسان الذي ترك لعقله العنان في الخراب والدمار.
حضن الأسرة
ولكن لنرجع قليلاً إلى حضن الأسرة فالروتين المنزلي والفراغ العاطفي وضعف التواصل الاجتماعي والعاطفي والبعد عن الحوار والإصغاء للآخر والتفكك الأسري وضعف الدخل الأسري جعل من التلفزيون وما ينقله الملاذ الوحيد "فأين ممارسة الرياضة، الرحلات، حفلات الموسيقا، ممارسة الهوايات، رسم، موسيقا، رياضة، شعر، قراءة..، مسرح، سينما، كلها" لا يوجد منها شيء ولا توجد تسلية للجميع إلا المسلسلات والبرامج والإعلانات التلفزيونية التي أصبحت شغلنا الشاغل.
ومن الملفت بأن بعض الإعلانات والبرامج تؤكد للطفل بأن الصدق والأمانة والإخلاص هي صفات الإنسان الجيد ولكن الطفل يواجه الواقع بعكس ذلك تماماً، ويجد بأن من يمتلك عكس هذه الصفات هو الإنسان القوي الناجح المتفاعل مع الناس والمتكيف في عمله ولذلك يقارن ويفكر فأيهما يسلك..؟
أما في برامج أخرى أو أفلام أخرى فيجد بأن الإنسان المجرم، السارق، القاتل، الكاذب، المنافق.. هو الذي يمتلك جوانب القوة ولكن في النهاية يجد بأنه ينال عقابه، بينما يجد الواقع عكس ذلك، ولو أنه طبعاً في النهاية سوف ينال السجن في الواقع ولكن متى يكون ذلك الزمن..؟!
ولذلك نجد بأن مخيلات الأطفال وذائقتهم الثقافية تتعرض للتدمير على شاشات الفضائيات، فالقنوات المتخصصة بالطفولة تعتقد بأن موضوع الترفيه والتسلية يعني تسويق أو عرض أي شيء، لدرجة أن الأشكال المريعة التي لا تنطوي نهائياً على أية جمالية قد أصبحت هي القدوة الحسنة لجيل ينشأ على التقنيات الإلكترونية، ووابل الأفكار المتسللة إلى العقول البريئة التي راحت تقلد تلك الشخصيات وتتماهى معها على نحو غريب.. حتى الصراخ والقفز والنط والشقلبة.. الذي يسيطر على معظم تلك البرامج الإلكترونية المقدمة بلا مغزى أحياناً. ومرات أخرى بإسقاطات تستدعي التنبه ودق ناقوس الخطر "المنتصر في أفلام الأطفال أميركي دائماً".. المنفذ البطل المغوار في أفلام الكبار أميركي دائماً، يأكل الضرب والإهانة والإذلال ثم ينتصر الحق، الذي هو الحق الأميركي، الواعي المثقف، المضحي..، وهذا بات يؤثر في سلوك الأطفال والمراهقين وحتى الكبار "اللباس الجميل أميركي أو أجنبي، الأكل أميركي أفضل، الآلات الأجنبية أفضل، لماذا نفضل ثقافة الغير على ثقافتنا هنا الخطر..!؟
نحن مع استخدام اللغة بشكلها الصحيح عندما يتطلب الأمر التكلم بلغة أخرى غير لغتنا لأنها السبيل إلى التواصل الحضاري الراقي والمتطور، ولكن استخدام كلمة أجنبية وأخرى عربية وبطريقة فيها من الميوعة والدلال و.. الكثير، فهذا على ماذا يدل؟
لقد حضرت في جلسة فيها عدد من النساء بينهن واحدة لم أفهم من حديثها إن كان عربياً أم أجنبياً وبمضمون سخيف وتافه وهي متبجحة متعالية على أساس أنها مثقفة، فهذا التقليد الأعمى للثقافة جعل من شخصيتها منصهرة غامضة غير مفهومة لا هي هنا ولا هي هناك.
أما برامج الأطفال المترجمة والمدبلجة فحدث ولا حرج فهي تؤكد غياب الرؤيا الثقافية والتربوية لدى المحطات المختصة بالأطفال، وتثبت أنها مشغولة بالربح واستقطاب أكبر عدد من الأطفال المشاهدين الذين تورطوا بلعبة بعث الرسائل إلى المحطات عبر الموبايل، بغض النظر عن تلك العملية الخطيرة التي تجري على مستوى تغيير المفاهيم والسلوك عند الأطفال.
أما المحزن في الأمر، أن محطات الأطفال الخاصة وكأنها تعمل في الهواء الطلق، وتنام الرقابات العربية عنها،  لكنها تستمر وراء طباعة رواية أو بحث أو ديوان شعر لا يروق لها في حين ما يجري على الجهة الأخرى من محطات الأطفال يعدُّ من الخطورة على نحو فظيع قد يؤثر على جيل كامل تتشوه مفاهيمه ومخيلاته دون أن ينتبه أحد، بعيداً عن الطاعة والنظام، مثاله الأعلى "العنف والوحوش والكائنات المشوهة والشعوذات" والله نحن في خطر كبير!؟

المراهقون والمراهقات
أما عن المراهقين والمراهقات فحدث ولا حرج فسلوكاتهم كلها مقلدة وتدل على عنف، ووقاحة، وسوء تصرف، وغضب، وانفعال، وتأخر دراسي، وتخلف عقلي.
فهذا المراهق الذي يقلد الغرب في ثقافتهم: لباسه الذي ينم عن الفوضوية والاستهتار، والتمرد، والانفلات الأخلاقي والسلوكي، والحلق والأساور والأطواق، والرسومات والوشوم على رقبته، يده، قدمه، أصابعه، وبأشكال الحيوانات والرموز والطقوس كلها أشياء تدل على الضياع، أما الموسيقا ونوعيتها فحدث ولا حرج، والفتيات كذلك في لباسهن وسلوكهن وتصرفاتهن وحديثهن همّهن الوحيد إنشاء صداقات بأساليب مختلفة، البعد عن الدراسة، البعد عن النظام، البعد عن النقاش، محبة الانعزال في عالمها، همها الموضة والماكياج والصديق الذي يدعمها عاطفياً والوحيد في الكون الذي يحبها ويخاف عليها، جيل ضائع يدق ناقوس الخطر فأيها الأهل انتبهوا لهذا الغزو الثقافي ولهذا الاستلاب الفكري الخطير لمجتمعنا، لأنه وإن دل على شيء فهو يدل على قرب محو لشخصيتنا وعاداتنا وتقاليدنا
وقد يأتي إنسان يقول إذا كانت هذه التكنولوجيا ووسائل الإعلام والإعلان حقاً تؤدي إلى هذه الصرعات فما هو الحل البديل عنها؟ لا بديل عنها جوابي؛ ولكن الرقابة ثم الرقابة، التوازن والتدخل غير المباشر في الوقت المناسب، الحوار، الإصغاء، عدم البعد عنهم وترك الحبل على الغارب، إشغالهم في هوايات، اللعب معهم، كسب صداقتهم، عدم تركهم للتكنولوجيا لتسحبهم إلى عالمها كلياً. تخصيص وقت لهم للتعاطف معهم ومع مشكلاتهم، إشراكهم في مشاكلنا كالكبار، فالطفل إذا لم تشغله شغلك.
إن الرغبة في دفع الأطفال والمراهقين إلى الحوار هو اكتشاف سيكولوجي حديث، وهو حدث جديد، أما بالنسبة للتكنولوجيا فهو ليس في أغلب الأوقات سوى نوع من المرافقة الضوئية للحياة العائلية، عندما يشغل التلفزيون في إحدى أركان المنزل فإن المرء يصغي إليه دائماً إلا في بعض الأوقات الخاصة، وعندما نتوقف عن المشاهدة فإن ذلك ليس من أجل تنمية الحوار عند الأولاد بل لأنه لا يوجد لدينا أهم من التلفزيون.
ولعل أفضل طريقة لمشاهدة البرامج هي المشاركة الجماعية مع أطفالنا لأنها تخلق نوعاً من التواصل والتوحد مع ما نشاهد، إذ يجري الحوار والتواصل وخلق الإبداع بإبداء آراء مختلفة حول ما نشاهد لنجتمع بعدها على رأي موحد بعد مناقشته وتبيان إيجابياته وسلبياته.
من المؤكد أن على وسائل الإعلام والإعلان أن تنقل قيم المجتمع بطرق مختلفة والتي تنسجم مع الإطار العام لهذا المجتمع، ويمكن لهذه القيم أن تشتمل على أساس تاريخي حديث مثل حقوق الأطفال والسعادة الزوجية وتحسين شروط الحياة، والحفاظ على الصحة والاهتمام بالبيئة "طبيعة، شجر، نهر، ، طير، حيوان، مياه..". والوطن، الحياة، والنظام.. وتستطيع هذه القيم وحالها كحال القيم الخاصة بالآباء والمعلمين أن تجد طريقها إلى نفوس الأطفال وعقولهم، أما القيم الشخصية التي يرغب الآباء بنقلها إلى أبنائهم مثل "المبادئ الدينية، قيم الصعود الاجتماعي، التمسك بالتقاليد أو الرغبة في تغيير نمط الحياة فهي قيم تنتقل عن طريق الحياة الفعلية للأطفال".
وينبني على ذلك أن الأطفال يتبنون إرادياً قيم الآباء هذه بدرجة أكبر من القيم العامة وهذا غالباً، ويمكن للرسالة التلفزيونية وبطريقة عكسية أن تجد رفضاً من قبل الأطفال وذلك مرهون بشروط تلقي الرسالة التلفزيونية، مثال: خطاب لاهب وفصيح مناصر للحركة النسائية: يمكن لرب الأسرة أن يستقبل ذلك بهزء وسخرية، وذلك قد يغضب الطفل وقد يرضيه وفقاً للانطباع الذي يمتلكه عن مدى مصداقية موقف أبيه، ولكن إذا حظي الخطاب نفسه بموافقة الآباء يمكنه أن يؤثر في الطفل إذا كان قد اعتاد على الثقة بموقف والديه، ولذلك فإن التلفزيون لا يستطيع أن يؤثر إلا في السياق التربوي الشامل الذي يحيط بالطفل، والآباء الذين لا صلة لهم مع أطفالهم لا يستطيعون بين عشية وضحاها أن يوظفوا التلفزيون في التأثير على أطفالهم وذلك عندما يقدم التلفزيون آراء تتناسب مع آرائهم، ولكن بشكل عام نجد بأن التلفزيون يفرض على الطفل نموذجاً تربوياً يشمل حياة الطفل وجنسه وكل ما ينطبق على محيطه الثقافي.
وتبقى الإعلانات والبرامج التلفزيونية مؤكدة على ما هو قائم في المجتمع الذي يعيشه الأفراد، فمثلاً "يؤكدون على أن المرأة ضعيفة، والرجل قوي، المرأة جاهلة، والرجل مثقف، البنت تلعب دور الأم الحنون، والرجل دور الحامي المتسلط القوي".
وعلى خلاف ما سبق يشعر الأطفال برتابة الأخبار السياسية ويبتعدون عنها، وفهم عندما يشاهدون بؤساء العالم يتخذون موقفاً غامضاً، وهم إذا شاهدوا أطفال الصحراء يموتون جوعاً يشعرون إلى حد ما بالطمأنينة لأنهم بعيدون جداً عن الخطر، وهم مع ذلك يشعرون بالسخط والغضب ولكنهم لا يستطيعون أن يفعلوا شيئاً "تعاطف مع أطفال غزة، والغضب من العدو"، إن الأطفال يشعرون بالضعف والانسحاب وتدريجياً يستطيعون مشاهدة مثل هذه الأحداث والمشاهد دون اكتراث أو تأثر "أفلام الرعب، القتل، التقطيع" فتكرار هذه المشاهد يفقدهم الإحساس ويقلق المربي، إذ يقولون "هل هذه البرامج تفقد الأطفال حساسيتهم وتتصلب مشاعرهم؟! هل فقد الأطفال مشاعر السخط والغضب؟
ربما كانت هذه المشاعر الوسيلة الوحيدة، واقعياً، للحفاظ على توازنهم النفسي، فليس ما هو أصعب من مشاهدة شقاء العالم دون أن يكون لدى المرء ما يستطيع أن يفعل.
ما الذي يفضله الأطفال عند مشاهدة التلفزيون؟
يفضل أكثر الأطفال البرامج الخيالية، فالخيال يتيح لهم أن يعيشوا حياة الأبطال والتي توفر لهم السعادة والتي تفوق سعادتهم الحقيقية التي تغمرهم في الحياة الحقيقية، وخاصة عندما لا يجدونها في وسطهم الاجتماعي، فالطفل يتخيل نفسه أميراً، ملكاً، شرطياً، معلماً، قائد عصابة، "فهناك يسقط ما بداخله على هذه الشخصيات ويتقمصها في الواقع".
فهو القوي القادر على القبض على الأشرار ومكافحة المجرمين، وهو الكبير العالم الذي يحل مشكلات العالم، والكون، والفضاء وبشكل عام الطفل الذي يجد نفسه محاطاً بجدار من الممنوعات والمحظورات لا يملك مواجهتها سوى في الهروب والتواصل مع مغامرات الآخرين، وبالتالي فإن الأفلام التي يمكن للطفل أن يتواصل معها هي الأفلام التي تنطوي على المغامرات التي تحمل للأطفال حلولاً لمشاكلهم والتي تعكس همومهم، فيتقمص شخصيات الأبطال وخاصة التي تنسجم مع طبيعته الخاصة، فالذكر يتقمص شخصية الذكر البطل، الخارق، الذكي، الذي يحمل سيفاً، بارودة، مسدساً، يقتل، يحمي، يتسلط، يظلم.
أما الأنثى فتتقمص أحياناً دور الذكر ولا مشكلة لديها على عكس الذكر فهو معيب عليه تقمص دور الأنثى، وتتقمص دور الأنثى الضعيفة، المظلومة، المقهورة، الخائفة، ويتقمص الذكر دور الشخص الخارق سوبرمان، هاري بوتر، زورو، والشخصيات الأسطورية التي تحل مشكلات العالم".
من كل ما سبق نستنتج بأن الوسائل السمعية والبصرية "إعلانات، برامج تلفزيونية" هي حقيقية واقعة قائمة في بيوتنا لا محالة شئنا أم أبينا حتى في أفقر الأسر ولذلك فيجب أن نتعامل مع هذه الوسيلة بشيء قليل أو كثير من التعقل فعلينا تأهيل الأسرة وترشيد علاقتها مع الشاشة الصغيرة، مشاهدتها بشكل جماعي قدر الإمكان، تخصيص فترة مراقبة من قبل الأهل لفترة مشاهدة الأطفال وحتى المراهقين، الحوار والنقاش، الإصغاء لأفكار الأطفال والمراهقين والإجابة عن أسئلتهم عندما يشاهدون، عدم جعل التلفزيون أداة لقضاء الأطفال وقتاً أمامه ساعات طويلة بينما الأم خارج البيت لقضاء زياراتها التي قد تكون في أكثر الأحيان غير ضرورية، مراقبة معد البرنامج، ومؤلف الكلمات، والموسيقي والمخرج لكل هؤلاء يجب أن يكون هناك رقابة وصارمة "حتى الآن يتداول الأطفال كلام دريد ونهاد، أبو جانتي سائق التاكسي، أبو عنتر" وكثير من المسلسلات التي تغذي الناشئة بألفاظ يرددونها في البيت والمدرسة والشارع، عدا عن الألفاظ النابية التي يتبادلونها فيما بينهم.
إذن يجب على المهتمين النظر بعين الاعتبار إلى الظاهرة المهمة الغامضة بشيء من الحذر والرقابة، والأخذ بوجهة النظر القائلة بإقامة التوازن بين الحضارة والأصالة وعدم تغييب الجميل في تقاليدنا ونقلها للناشئة بصورة إيجابية ليتم استقبالها من منظور حضاري متطور.
مراجع البحث:
- مخاطر الشاشة، رينييه بلند، ميكائيل بول ترجمة د. حسن حتاحت، مؤسسة العبيكان.
- أثر وسائل الإعلام على تعليم الأطفال وتثقيفهم. د. عبد الفتاح أبو معال، دار الشروق 2006م.
- أثر التكنولوجيا ووسائل المعلومات والاتصالات على تنمية التفكير الإبداعي عند الأطفال والمراهقين. د. خالد العجلوني ود. محمد الحمران، الأردن.
- إسماعيل الغريب زاهر 2001 تكنولوجيا المعلومات وتحديث التعليم، القاهرة، عالم الكتاب.



المصدر : الباحثون العدد 44 شباط 2011

عركة قادش ومعاهدة السلام بين الحثيين والمصريين في الألف الثاني قبل الميلاد-د. علي القيّم

عركة قادش ومعاهدة السلام بين الحثيين والمصريين في الألف الثاني قبل الميلاد-د. علي القيّم
معركة قادش ومعاهدة السلام
 بين الحثيين والمصريين في الألف الثاني قبل الميلاد-د. علي القيّم
في نهاية عصر العمارنة (القرن الرابع عشر ق.م) أخذ الوجود المصري في سورية يتراجع أكثر فأكثر، ويعود السبب إلى تعاظم الدور الحثي في المنطقة في عهد «شبيليو ليوما» الذي حكم مدة طويلة دامت نحو أربعين عاماً (1370-1330) ق.م، بالإضافة إلى حالة الفوضى التي سادت مصر في ظل أمينوفيس الرابع المعروف باسم «أخناتون» (1364-1347) ق.م وخلفائه، وقد تحسن الحال في عهد الفرعون سيتوس الأول (1304-1290) ق.م الحاكم الثاني في زمن السلالة التاسعة عشرة، حيث أعاد الوجود المصري على سورية، ومن جهة ثانية كان الملك الحثي مورشيلي الثاني (1329-1300) ق.م، خصماً جدياً للمصريين، يحسب له ألف حساب، وقد تسنّى لسيتوس في إحدى حملاته السورية احتلال قادش (تل النبي مند) لفترة قصيرة، كما يدل على ذلك النصب التذكاري المكتشف هناك.
تقع مدينة قادش جنوبي بحيرة حمص (قطينة) في زاوية تتألف من نهر العاصي الذي يجري باتجاه الشمال ونهر فرعي يرفده ويصب فيه من الجنوب الغربي، تبلغ مساحة التل عشرة هكتارات، وتكمن أهمية قادش في أهميتها الاستراتيجية الكبرى وموقعها عند الطرف الشمالي للبقاع، في المضيق المنخفض بين جبال لبنان وجبال لبنان الشرقية، وكل طريق يريد أن يتجنب الطريق الساحلي الضيّق الذي تقطعه مجاري المياه عليه أن يمر في سيره نحو الشمال عبر البقاع، وبالتالي عبر قادش، فلا عجب في الحملة الأولى للفرعون تحوتمس الثالث عام 1468 ق.م أن تحالف الأمراء السوريين ضد الفرعون المصري، ثم عادت مرة ثانية لحكم الحثيين بعد سيادة مصرية قصيرة في ظل حكم ستيوس الأول، وقد تمكن رمسيس الثاني (1290-1224) ق.م من تكرار نجاحات أبيه ستيوس وتجاوزها، وقد قيّض لرمسيس في حملته الأولى التي تمت في السنة الرابعة لحكمه من الوصول إلى نهر الكلب بين بيروت وجبيل (بيبلوس) حيث أوعز بأن يُوضع نقش نافر على الجدار الصخري يشبه النصب، ونشبت في السنة اللاحقة، (1285) ق.م معركة قادش التي قال بصددها رمسيس إنه قد أبلى ببطولته الشخصية فيها بلاءً حسناً، وكان فائق الشجاعة، ولم يمّل من تمجيد نفسه في هذا العمل العسكري، وقد وصلتنا المعلومات عن هذه المعركة بالكلمة والصورة في صيغتين، «القصيدة الطويلة» و«التقرير الإخباري» القصير اللذين طلب رمسيس أن ينصبا في هياكل معبد الكرنك والأقصر والأبيدوس ومقام ضريحه وأبي سنبل، بالإضافة إلى نسخة مكتوبة لأحد الكتاب مسطرة على ورق البردي، وتشترك كل هذه النصوص بتمجيد رمسيس بهذا النصر العظيم، وبهذا تكون معركة قادش قد حظيت بأوسع وصف مفصل في كل العصور القديمة السابقة على العصور اليونانية والرومانية، وكان يمكن أن تكون أيضاً الأفضل توثيقاً لو أن المصادر الحثية قد تحدثت عنها أكثر قليلاً.
فحتى الآن - وفق دراسة العالم الألماني «والترماير» لم نجد في أرشيف «بوغاز كوي» وهي العاصمة الحثية القديمة (حاتوشا) إلا نصاً واحداً، ويفهم منه أن الحثيين قد أدعّوا - من جانبهم – إحراز النصر، فما الذي حدث فعلاً.
من خلال الدراسة والتدقيق والرجوع إلى المصادر الكتابية ومكتشفات مواقع الآثار، يمكن تلخيص ما حدث على النحو التالي:
لقد اجتاز الفرعون المصري رمسيس في السنة الخامسة لحكمه أي في سنة 1285 قبل الميلاد، الحدود المصرية، بهدف ملاقاة الحثيين الذين كانوا متحالفين مع أهم الإمارات والممالك السورية الواقعة بين نهر العاصي وسواحل البحر المتوسط، وكان رمسيس يريد أن يسدد لهذا التحالف ضربة ترد الخطر عن بلاد عمورو، ولهذا لم يكن يريد الانجرار إلى معركة حول مدن معادية مثل قادش، بل كان يريد تجنبها، وبعد أن يسجل النصر على الحثيين، كان يريد العودة إليها لاحتلالها.. أما أهداف الملك الحثي «مواتيلي» ابن الملك مورشيلي الثاني فقد كانت معاكسة تماماً، فقد كان عليه أن يوقف رمسيس في أقصى نقطة في جنوب البلاد، وفي أفضل الأحوال في مجال النفوذ المصري، حتى يتمكن فيما بعد من الانصراف إلى تصفية الأمور في عمورو، ولا يزال هناك خلافات علمية وتاريخية حول تفاصيل خط مسيرة رمسيس.
واستناداً إلى تقديرات الباحث «والترماير» يمكن الافتراض أن رمسيس تجنب قدر الإمكان الطريق الساحلي الذي كان يسهل خرقه من قبل الحثيين، وتقول المصادر المصرية إنه سار بعد اجتياز الحدود بشهر على الضفة الشرقية عبر البقاع إلى الشمال باتجاه قادش، وكان جيشه يتألف بالإضافة إلى حرسه، من أربع فرق هي: (آمون – ورع وبتاح وسيت) وليس هناك معلومات دقيقة حول عدد هذه الفرق، ويقدر كل منها بنحو خمسة آلاف رجل وأكثر، ولا يعرف شيء عن حجم وتركيب الحرس، ولا شك أنها كانت تضم تشكيلة من العربات المقاتلة، ويعتقد أن رمسيس نصب معسكره على بعد مسيرة يوم من قادش أي على بعد (20 إلى 25 كم منها).
وتدلنا النصب التذكارية التي دونّها رمسيس، عن المعركة، أنه أحضر أمامه شخصين يستجوبهما، يعلنان أنهما قد جاءا بتكليف من جماعتها التي تخضع للحثيين، ويريدان الانضمام إلى المصريين، وقدما له المعلومات التالية: إن «مواتيلي» يقيم مع جيشه بعيداً، إلى الشمال على مقربة من حلب، وفي الحقيقة كان هذان الشخصان عميلين حثيين أرسلا قصداً إلى رمسيس، وقد أدت أقوالهما إلى قيام رمسيس في اليوم التالي باطمئنان إلى قطع نهر العاصي من المعابر الضحلة، تاركاً مسافات كبيرة بين الفرق، وبدون أي استطلاع، وسار بدون اكتراث، إلى نقطة تقع غربي قادش حيث ضرب خيام معسكره، وفي هذه المسيرة كان الملك مع حرسه في المقدمة تتبعه مباشرة الفرقة الأولى «آمون» إلا أن «مواتيلي» لم يكن آنذاك قرب حلب، بل قرب قادش، وقد قام باستغلال وضع الأرض الذي أتاح له الاختباء، ومراقبة العدو وراء تلّة قادش، حيث أقام وجيشه المؤلف من خمسة وثلاثين ألف رجل (حسب المصادر المصرية) باتجاه شمال شرق قادش، وبينما كان المصريون يسيرون للوصول إلى هدفهم بهدوء، كانت العربات الحثية المقاتلة، المؤلفة من 2500 عربة في الموجة الأولى، و/1000/ عربة في الموجة الثانية، تنتظر مستريحة وغير مرئية في مواقع انطلاقها، وبعد أن وصل «الحرس» المصري مع الفرقة الأولى «آمون» إلى الموقع، ألقى القبض في محيط المعسكر المصري على شخصين مريبين وأحضرا للاستجواب أمام رمسيس، فأقّرا بعد أن ضُربا بأنهما مستطلعان حثيان وأن القوات الحثية تقف في شمال شرقي قادش، وكان من الطبيعي أن يصيب الذعر رمسيس وأركان جيشه لهذا المأزق الذي وُضعوا فيه، فحاول بذل الجهد لتسريع قدوم الفرق العسكرية الثلاثة الأخرى، بينما كانت الفرقة الرابعة «سيت» لا تزال بعيدة جداً، ولم تكن تستطيع التدخل في القتال.
لقد قطعت الفرقة الثالثة «بتاح» معبر العاصي، وسارت الفرقة الثانية «رع» باتجاه المعسكر، وفي هذه الأثناء قطعت الموجة الحثية الأولى معبراً يقع مباشرة جنوب قادش، وقد درست وضعها بعناية ودقة، ثم هاجمت الأرتال السائرة، وكان الهجوم مرافقاً بتصاعد كبير للضجيج والغبار، وهكذا سقطت الفرقة الثانية ودبّ فيها الذعر، فتبددت ثم قامت العربات الحثية بالاقتحام تبعتها الموجة الثانية الحثية، وهنا يجب الإشارة إلى إمكانيات استخدام العربات المقاتلّة في النصف الثاني من الألف الثاني قبل الميلاد، وكانت تقاد بحصانين مدربين بقسوة، وكان يوضع في العربة سائق ورامي سهام، وفي القرن التاسع قبل الميلاد جرى لأول مرة الانتقال إلى العربة ذات الأربعة أحصنة، ورافق ذلك تمتين وتوسيع للعربة مما أتاح المجال فيما بعد لركوب رجل ثالث مزود بترسين لحماية الاثنين الآخرين، وبالإضافة إلى ذلك كان يستخدم الرمح كسلاح احتياطي للملاحقة عن قريب، وفي قادش بوغتت الفرقة الثانية المصرية بالهجوم ولم يكن من الممكن رد الهجوم فسحقت، وتخبرنا المصادر المصرية بذلك حيث أن العربات الحثيّة كانت مزودة بمقاتل ثانٍ، مما ضاعف من قوة العربات.
 أما الوضع العسكري المصري فقد ظل غامضاً، ويبدو أن رمسيس سعى لتغطية الأحداث الواقعية الفعلية، وذكر أنه صد الحثيين عن نهر العاصي، والاحتمال الأكبر أن الحثيين حاصروا المعسكر وضربوه، ويبدو أن رمسيس قد هرب مع قسم من عرباته وأقام في الفرقة الأولى «آمون» وبعد أن رمى الحثيون كل نبالهم انسحبوا انسحاباً منتظماً إلى ما وراء نهر العاصي، ويبدو أن القوات المصرية الأخرى قد ظهرت في تلك اللحظة في ساحة المعركة قادمة من الساحل السوري عبر وادي النهر الكبير الجنوبي إلى قادش، للاندماج مع القوات الرئيسة، ولا يعرف - حتى الآن - ما إذا تدخلت هذه القوات في القتال- كما يذكر رمسيس- أم لم تتدخل، وبعد انسحاب الحثيين اتجه رمسيس - كما يعتقد - في الليل مع ما تبقى من قواته المنهكة إلى الجنوب، وركز اهتمامه على اللقاء بالفرقتين الثالثة والرابعة من جيشه.
في صباح اليوم التالي، تلقى رمسيس رسالة من الملك الحثي «مواتيلي» يحدد له فيها يوم القتال، ولا تحتوي على ما يذكر رمسيس عرضاً للصلح، وقد بدا للمصريين إنه من الأفضل عدم قتال الحثيين، والانسحاب نحو الجنوب، إلا أن «مواتيلي» طارد رمسيس حتى دمشق وعلى أثر ذلك أعيدت سلطة الحثيين العليا على عمورو، والحملات المصرية في السنوات اللاحقة لم تود إلا الحفاظ على الحدود القائمة، لكن الصراع على سورية بين الحثيين والمصريين استمر، ولم يتم التوصل إلى اتفاق وتحالف إلا في عهد رمسيس الثاني والملك الحثي حاتوشيلي الثالث (1275 - 1250) ق.م، الذي أقلقته قوة الدولة الآشورية المتعاظمة باستمرار، وتم هذا الاتفاق في عام 1270 ق.م، واستمر حتى انحطاط المملكة الحثية نحو عام 1200 ق.م وقد تم ذلك بمعاهدة رمسيس للملك الحثي، بالزواج الشهير بابنته الجميلة، التي نُقشت صورها على جدران معبد الكرنك.
لقد وجد علماء الآثار نص المعاهدة مكتوباً بثلاث لغات: المصرية، والبابلية، والحثية، وإذا قمنا بتحليل هذه المعاهدة مطبقين عليها المفاهيم الأكثر حداثة للقانون الدولي، يتبين أن بنيتها تقارب بنية معاهدات السلام الأكثر عصرية، فلا شيء ينقصها، حيث نجد فيها اتفاق ضمان إقليمي، وتحالفاً دفاعياً، واتفاق تعاون متبادل بين الحكومتين ضد العصاة، وبنوداً لتسليم الفارين واللاجئين السياسيين، وضروباً من العفو عن بعض الفئات، ولاشيء يدهشنا أكثر من قراءة المواد الرئيسة في هذه المعاهدة التي يعود تاريخها إلى/ 3280/ سنة خلت، تقول نصوص المعاهدة:
- لقد وقع رمسيس، ملك مصر العظيم، معاهدة مع ملك الحثيين العظيم من أجل الحفاظ على الأخوة بينهما.
- بهذه المعاهدة، يعلن رمسيس، ملك مصر العظيم، السلام والأخوة لحاتوشيلي، ملك الحثيين العظيم.
- وقد وقع رمسيس بنفسه هذه المعاهدة مع حاتوشيلي ليضمنا السلام بينهما، فكل منهما أخ للآخر، وهما الآن أكثر أخوة مما كانا في الماضي، فرمسيس هو صديق حاتوشيلي، وسيكون أولاده إخوة أولاد حاتوشيلي، وفي سلام دائم.
- لن يحتاج رمسيس بلاد الحثيين البتة، من أجل أن يأخذ منها أي شيء مهما كان، ولن يدخل حاتوشيلي مصر ليأخذ منها أي شيء مهما كان.
- إن زحف عدو على بلاد الحثيين، وأرسل حاتوشيلي إلى رمسيس يقول:« تعال لمساعدتي» عندئذ يرسل رمسيس جيوشه ومركباته الحربية.
- إذا غضب حاتوشيلي على بعض رعيته، وإذا تمردوا عليه، يرسل رمسيس جيوشه ومركباته الحربية لمحاربة أولئك الذين غضب حاتوشيلي عليهم.
- إذا زحف عدو على بلاد مصر، وأرسل رمسيس إلى أخيه حاتوشيلي يقول: « تعال لمساعدتي » يرسل حاتوشيلي جيوشه لقتل هذا العدو.
- إذا هرب ذو شأن من أرض مصر وذهب يلجأ إلى أرض الحثيين فلا يستقبله ملك الحثيين، ويسلمه إلى يدي رمسيس.
- إذا هرب رجل أو أكثر من العامة إلى بلاد الحثيين ليعملوا فيها عند أحدهم، فلا يحتفظ بهم في بلاد الحثيين، بل يُعادوا إلى رمسيس ملك مصر.
- إذا هرب ذو شأن من أرض الحثيين ولجأ إلى بلاد رمسيس، فلا يستقبله ملك مصر، ويسلمه إلى يدي ملك الحثيين.
- إذا هرب رجل أو أكثر من العامة إلى مصر ليعملوا فيها عند أحدهم، فلا يستقبلهم ملك مصر، ويسلمه إلى يدي ملك الحثيين.
تعريفات:
• نهر العاصي، يجري في سورية ضمن ثلاث محافظات: حمص - حماة - إدلب - لواء الاسكندرون، عرف منذ القديم باسم الأرنط، أي النهر المقلوب، وتسميته بالعاصي متأخرة، ويقصد به أيضاً المعنى نفسه الذي يرتبط باتجاه جريانه من الجنوب إلى الشمال، ينبع من الجزء الشمالي لهضبة بعلبك في لبنان الشقيق من عدة ينابيع، أهمها: الهرمل - مغارة الراهب - ويدخل الأراضي السورية في محافظة حمص وتصب فيه مياه عين التنور ويمر بعدها عبر بحيرة قطينة الشهيرة، وعند هذه البحيرة ينتهي الوادي الأعلى للنهر، وعلى ضفتيه تركزت مجموعة كبيرة من المدن والقرى والمواقع التاريخية.
• أقدم موقع سكني في حمص هو تل حمص أو قلعة أسامة، وقد أثبتت اللقى الفخارية المكتشفة في التل أن قلعة حمص كانت مسكونة منذ الألف الثالث قبل الميلاد، وقد ورد اسمها في وثائق ايبلا وفي مكتشفات تل النبي مند (قادش القديمة) وقد ورد اسمها في العصرين اليوناني والروماني باسم (أيميسا)، ومن أبرز مكتشفات حمص، الدياميس التي هي عبارة عن كهوف تحت الأرض، كان يمارس فيها المسيحيون ديانتهم بعيداً عن ملاحقة الحكم الروماني وجامع الصحابي الكبير خالد بن الوليد.
• تل النبي مند (قادش): يضم في بقاياه مجموعة من الآثار التي يعود تاريخها إلى الألف الرابع قبل الميلاد، ذكر اسمه في مراسلات تل العمارنة باسم (قدشا - قدشي)، كانت لهذه المدينة أهميتها في العصر الآرامي، كما ازدهرت في العصر الروماني وحملت اسم «لاوديسا».
في عام 1846، نقبت في تل النبي مند بعثة أثرية برئاسة الباحث الإنكليزي تومسون وفي الفترة الواقعة بين (1921و1922) نقبت فيه بعثة أثرية برئاسة موريس بيزار، ثم توقف التنقيب فيها إلى بداية الثمانينات من القرن الماضي، حيث نقبت فيه بعثة إنكليزية برئاسة بيتربار واستمرت حتى عام 1990.
كانت قادش مستوطنة صغيرة في العصر الحجري الحديث، ضمت بقايا بيوت أرضياتها مرصوفة بالجص الأبيض، وبنيت جدرانها من التراب المدكوك وحوت الكثير من القطع الفخارية، التي يعود تاريخها إلى الألف السادس قبل الميلاد، وبعد فترة انقطاع عاد الاستيطان إليها في الألف الثالث قبل الميلاد، حيث عثر على أبنية مصنوعة من اللبن القاسي الذي غطى الأرضيات، وفوق هذه الأبنية منشأة ذات مساحة كبيرة وجدران سميكة، عثر فيها على لُقى يعود تاريخها إلى عصر البرونز القديم، وظهرت في سوية الألف الثاني قبل الميلاد تحصينات عن عصر البرونز الحديث، وعثر على أدوات من الفخار المصري المعروف في زمن الأسرة الثامنة عشر، كما اكتشف فيها نظام دفاعي جميل استمر حتى القرنين التاسع والثامن قبل الميلاد.
وقد انقطع السكن في قادش حتى العصر الهيلينستي حيث وجدت بعض آثار البيوت، وأعمدة الجدران التي استمرت في العصر الروماني.
تعد قادش من الأمثلة المهمة على المدن السورية الحصينة التي كان سكانها من أوائل الذين صنعوا الفخار في العصر الحجري الحديث.
المصادر:
- الآثار السورية، سورية ملتقى الحضارات والشعوب، ترجمة: نايف بللوز طباعة دار «فورفرتس» فيينا - النمسا- 1978.
- معاهدات السلام عبر التاريخ، تأليف: غاستون بوتول، ترجمة وتعليق جورج أبو كسم، دار الأبجدية - دمشق - 1996.
- إضاءات من الذاكرة القديمة، تأليف: علي القيّم - وزارة الثقافة دمشق، 1983.
- سورية التاريخ والحضارة، تأليف: د. عفيف البهنسي - إصدار وزارة السياحة - دمشق - 2001 م.
- ترصيعات على جدران شامية، تأليف: علي القيّم - إصدار مركز زايد للتراث والتاريخ - الإمارات العربية المتحدة - العين - 2000 م.
- آثار وأسرار: تأليف: علي القيّم - إصدار: دار البشائر - دمشق - سورية 1997.
- زيارات ميدانية إلى موقع تل النبي مند، قمت بها منذ عدة سنوات للاطلاع على نتائج التنقيب والكشف الأثري.
- الموسوعة العربية - دمشق - سورية - المجلد الخامس عشر 2006. تقارير البعثة الأثرية البريطانية التي عملت في الموقع منذ ثمانينات القرن الماضي، ونشرت في مجلة الحوليات الأثرية السورية.



المصدر : الباحثون العدد 42 كانون الأول 2010

عركة قادش ومعاهدة السلام بين الحثيين والمصريين في الألف الثاني قبل الميلاد-د. علي القيّم

عركة قادش ومعاهدة السلام بين الحثيين والمصريين في الألف الثاني قبل الميلاد-د. علي القيّم
معركة قادش ومعاهدة السلام
 بين الحثيين والمصريين في الألف الثاني قبل الميلاد-د. علي القيّم
في نهاية عصر العمارنة (القرن الرابع عشر ق.م) أخذ الوجود المصري في سورية يتراجع أكثر فأكثر، ويعود السبب إلى تعاظم الدور الحثي في المنطقة في عهد «شبيليو ليوما» الذي حكم مدة طويلة دامت نحو أربعين عاماً (1370-1330) ق.م، بالإضافة إلى حالة الفوضى التي سادت مصر في ظل أمينوفيس الرابع المعروف باسم «أخناتون» (1364-1347) ق.م وخلفائه، وقد تحسن الحال في عهد الفرعون سيتوس الأول (1304-1290) ق.م الحاكم الثاني في زمن السلالة التاسعة عشرة، حيث أعاد الوجود المصري على سورية، ومن جهة ثانية كان الملك الحثي مورشيلي الثاني (1329-1300) ق.م، خصماً جدياً للمصريين، يحسب له ألف حساب، وقد تسنّى لسيتوس في إحدى حملاته السورية احتلال قادش (تل النبي مند) لفترة قصيرة، كما يدل على ذلك النصب التذكاري المكتشف هناك.
تقع مدينة قادش جنوبي بحيرة حمص (قطينة) في زاوية تتألف من نهر العاصي الذي يجري باتجاه الشمال ونهر فرعي يرفده ويصب فيه من الجنوب الغربي، تبلغ مساحة التل عشرة هكتارات، وتكمن أهمية قادش في أهميتها الاستراتيجية الكبرى وموقعها عند الطرف الشمالي للبقاع، في المضيق المنخفض بين جبال لبنان وجبال لبنان الشرقية، وكل طريق يريد أن يتجنب الطريق الساحلي الضيّق الذي تقطعه مجاري المياه عليه أن يمر في سيره نحو الشمال عبر البقاع، وبالتالي عبر قادش، فلا عجب في الحملة الأولى للفرعون تحوتمس الثالث عام 1468 ق.م أن تحالف الأمراء السوريين ضد الفرعون المصري، ثم عادت مرة ثانية لحكم الحثيين بعد سيادة مصرية قصيرة في ظل حكم ستيوس الأول، وقد تمكن رمسيس الثاني (1290-1224) ق.م من تكرار نجاحات أبيه ستيوس وتجاوزها، وقد قيّض لرمسيس في حملته الأولى التي تمت في السنة الرابعة لحكمه من الوصول إلى نهر الكلب بين بيروت وجبيل (بيبلوس) حيث أوعز بأن يُوضع نقش نافر على الجدار الصخري يشبه النصب، ونشبت في السنة اللاحقة، (1285) ق.م معركة قادش التي قال بصددها رمسيس إنه قد أبلى ببطولته الشخصية فيها بلاءً حسناً، وكان فائق الشجاعة، ولم يمّل من تمجيد نفسه في هذا العمل العسكري، وقد وصلتنا المعلومات عن هذه المعركة بالكلمة والصورة في صيغتين، «القصيدة الطويلة» و«التقرير الإخباري» القصير اللذين طلب رمسيس أن ينصبا في هياكل معبد الكرنك والأقصر والأبيدوس ومقام ضريحه وأبي سنبل، بالإضافة إلى نسخة مكتوبة لأحد الكتاب مسطرة على ورق البردي، وتشترك كل هذه النصوص بتمجيد رمسيس بهذا النصر العظيم، وبهذا تكون معركة قادش قد حظيت بأوسع وصف مفصل في كل العصور القديمة السابقة على العصور اليونانية والرومانية، وكان يمكن أن تكون أيضاً الأفضل توثيقاً لو أن المصادر الحثية قد تحدثت عنها أكثر قليلاً.
فحتى الآن - وفق دراسة العالم الألماني «والترماير» لم نجد في أرشيف «بوغاز كوي» وهي العاصمة الحثية القديمة (حاتوشا) إلا نصاً واحداً، ويفهم منه أن الحثيين قد أدعّوا - من جانبهم – إحراز النصر، فما الذي حدث فعلاً.
من خلال الدراسة والتدقيق والرجوع إلى المصادر الكتابية ومكتشفات مواقع الآثار، يمكن تلخيص ما حدث على النحو التالي:
لقد اجتاز الفرعون المصري رمسيس في السنة الخامسة لحكمه أي في سنة 1285 قبل الميلاد، الحدود المصرية، بهدف ملاقاة الحثيين الذين كانوا متحالفين مع أهم الإمارات والممالك السورية الواقعة بين نهر العاصي وسواحل البحر المتوسط، وكان رمسيس يريد أن يسدد لهذا التحالف ضربة ترد الخطر عن بلاد عمورو، ولهذا لم يكن يريد الانجرار إلى معركة حول مدن معادية مثل قادش، بل كان يريد تجنبها، وبعد أن يسجل النصر على الحثيين، كان يريد العودة إليها لاحتلالها.. أما أهداف الملك الحثي «مواتيلي» ابن الملك مورشيلي الثاني فقد كانت معاكسة تماماً، فقد كان عليه أن يوقف رمسيس في أقصى نقطة في جنوب البلاد، وفي أفضل الأحوال في مجال النفوذ المصري، حتى يتمكن فيما بعد من الانصراف إلى تصفية الأمور في عمورو، ولا يزال هناك خلافات علمية وتاريخية حول تفاصيل خط مسيرة رمسيس.
واستناداً إلى تقديرات الباحث «والترماير» يمكن الافتراض أن رمسيس تجنب قدر الإمكان الطريق الساحلي الذي كان يسهل خرقه من قبل الحثيين، وتقول المصادر المصرية إنه سار بعد اجتياز الحدود بشهر على الضفة الشرقية عبر البقاع إلى الشمال باتجاه قادش، وكان جيشه يتألف بالإضافة إلى حرسه، من أربع فرق هي: (آمون – ورع وبتاح وسيت) وليس هناك معلومات دقيقة حول عدد هذه الفرق، ويقدر كل منها بنحو خمسة آلاف رجل وأكثر، ولا يعرف شيء عن حجم وتركيب الحرس، ولا شك أنها كانت تضم تشكيلة من العربات المقاتلة، ويعتقد أن رمسيس نصب معسكره على بعد مسيرة يوم من قادش أي على بعد (20 إلى 25 كم منها).
وتدلنا النصب التذكارية التي دونّها رمسيس، عن المعركة، أنه أحضر أمامه شخصين يستجوبهما، يعلنان أنهما قد جاءا بتكليف من جماعتها التي تخضع للحثيين، ويريدان الانضمام إلى المصريين، وقدما له المعلومات التالية: إن «مواتيلي» يقيم مع جيشه بعيداً، إلى الشمال على مقربة من حلب، وفي الحقيقة كان هذان الشخصان عميلين حثيين أرسلا قصداً إلى رمسيس، وقد أدت أقوالهما إلى قيام رمسيس في اليوم التالي باطمئنان إلى قطع نهر العاصي من المعابر الضحلة، تاركاً مسافات كبيرة بين الفرق، وبدون أي استطلاع، وسار بدون اكتراث، إلى نقطة تقع غربي قادش حيث ضرب خيام معسكره، وفي هذه المسيرة كان الملك مع حرسه في المقدمة تتبعه مباشرة الفرقة الأولى «آمون» إلا أن «مواتيلي» لم يكن آنذاك قرب حلب، بل قرب قادش، وقد قام باستغلال وضع الأرض الذي أتاح له الاختباء، ومراقبة العدو وراء تلّة قادش، حيث أقام وجيشه المؤلف من خمسة وثلاثين ألف رجل (حسب المصادر المصرية) باتجاه شمال شرق قادش، وبينما كان المصريون يسيرون للوصول إلى هدفهم بهدوء، كانت العربات الحثية المقاتلة، المؤلفة من 2500 عربة في الموجة الأولى، و/1000/ عربة في الموجة الثانية، تنتظر مستريحة وغير مرئية في مواقع انطلاقها، وبعد أن وصل «الحرس» المصري مع الفرقة الأولى «آمون» إلى الموقع، ألقى القبض في محيط المعسكر المصري على شخصين مريبين وأحضرا للاستجواب أمام رمسيس، فأقّرا بعد أن ضُربا بأنهما مستطلعان حثيان وأن القوات الحثية تقف في شمال شرقي قادش، وكان من الطبيعي أن يصيب الذعر رمسيس وأركان جيشه لهذا المأزق الذي وُضعوا فيه، فحاول بذل الجهد لتسريع قدوم الفرق العسكرية الثلاثة الأخرى، بينما كانت الفرقة الرابعة «سيت» لا تزال بعيدة جداً، ولم تكن تستطيع التدخل في القتال.
لقد قطعت الفرقة الثالثة «بتاح» معبر العاصي، وسارت الفرقة الثانية «رع» باتجاه المعسكر، وفي هذه الأثناء قطعت الموجة الحثية الأولى معبراً يقع مباشرة جنوب قادش، وقد درست وضعها بعناية ودقة، ثم هاجمت الأرتال السائرة، وكان الهجوم مرافقاً بتصاعد كبير للضجيج والغبار، وهكذا سقطت الفرقة الثانية ودبّ فيها الذعر، فتبددت ثم قامت العربات الحثية بالاقتحام تبعتها الموجة الثانية الحثية، وهنا يجب الإشارة إلى إمكانيات استخدام العربات المقاتلّة في النصف الثاني من الألف الثاني قبل الميلاد، وكانت تقاد بحصانين مدربين بقسوة، وكان يوضع في العربة سائق ورامي سهام، وفي القرن التاسع قبل الميلاد جرى لأول مرة الانتقال إلى العربة ذات الأربعة أحصنة، ورافق ذلك تمتين وتوسيع للعربة مما أتاح المجال فيما بعد لركوب رجل ثالث مزود بترسين لحماية الاثنين الآخرين، وبالإضافة إلى ذلك كان يستخدم الرمح كسلاح احتياطي للملاحقة عن قريب، وفي قادش بوغتت الفرقة الثانية المصرية بالهجوم ولم يكن من الممكن رد الهجوم فسحقت، وتخبرنا المصادر المصرية بذلك حيث أن العربات الحثيّة كانت مزودة بمقاتل ثانٍ، مما ضاعف من قوة العربات.
 أما الوضع العسكري المصري فقد ظل غامضاً، ويبدو أن رمسيس سعى لتغطية الأحداث الواقعية الفعلية، وذكر أنه صد الحثيين عن نهر العاصي، والاحتمال الأكبر أن الحثيين حاصروا المعسكر وضربوه، ويبدو أن رمسيس قد هرب مع قسم من عرباته وأقام في الفرقة الأولى «آمون» وبعد أن رمى الحثيون كل نبالهم انسحبوا انسحاباً منتظماً إلى ما وراء نهر العاصي، ويبدو أن القوات المصرية الأخرى قد ظهرت في تلك اللحظة في ساحة المعركة قادمة من الساحل السوري عبر وادي النهر الكبير الجنوبي إلى قادش، للاندماج مع القوات الرئيسة، ولا يعرف - حتى الآن - ما إذا تدخلت هذه القوات في القتال- كما يذكر رمسيس- أم لم تتدخل، وبعد انسحاب الحثيين اتجه رمسيس - كما يعتقد - في الليل مع ما تبقى من قواته المنهكة إلى الجنوب، وركز اهتمامه على اللقاء بالفرقتين الثالثة والرابعة من جيشه.
في صباح اليوم التالي، تلقى رمسيس رسالة من الملك الحثي «مواتيلي» يحدد له فيها يوم القتال، ولا تحتوي على ما يذكر رمسيس عرضاً للصلح، وقد بدا للمصريين إنه من الأفضل عدم قتال الحثيين، والانسحاب نحو الجنوب، إلا أن «مواتيلي» طارد رمسيس حتى دمشق وعلى أثر ذلك أعيدت سلطة الحثيين العليا على عمورو، والحملات المصرية في السنوات اللاحقة لم تود إلا الحفاظ على الحدود القائمة، لكن الصراع على سورية بين الحثيين والمصريين استمر، ولم يتم التوصل إلى اتفاق وتحالف إلا في عهد رمسيس الثاني والملك الحثي حاتوشيلي الثالث (1275 - 1250) ق.م، الذي أقلقته قوة الدولة الآشورية المتعاظمة باستمرار، وتم هذا الاتفاق في عام 1270 ق.م، واستمر حتى انحطاط المملكة الحثية نحو عام 1200 ق.م وقد تم ذلك بمعاهدة رمسيس للملك الحثي، بالزواج الشهير بابنته الجميلة، التي نُقشت صورها على جدران معبد الكرنك.
لقد وجد علماء الآثار نص المعاهدة مكتوباً بثلاث لغات: المصرية، والبابلية، والحثية، وإذا قمنا بتحليل هذه المعاهدة مطبقين عليها المفاهيم الأكثر حداثة للقانون الدولي، يتبين أن بنيتها تقارب بنية معاهدات السلام الأكثر عصرية، فلا شيء ينقصها، حيث نجد فيها اتفاق ضمان إقليمي، وتحالفاً دفاعياً، واتفاق تعاون متبادل بين الحكومتين ضد العصاة، وبنوداً لتسليم الفارين واللاجئين السياسيين، وضروباً من العفو عن بعض الفئات، ولاشيء يدهشنا أكثر من قراءة المواد الرئيسة في هذه المعاهدة التي يعود تاريخها إلى/ 3280/ سنة خلت، تقول نصوص المعاهدة:
- لقد وقع رمسيس، ملك مصر العظيم، معاهدة مع ملك الحثيين العظيم من أجل الحفاظ على الأخوة بينهما.
- بهذه المعاهدة، يعلن رمسيس، ملك مصر العظيم، السلام والأخوة لحاتوشيلي، ملك الحثيين العظيم.
- وقد وقع رمسيس بنفسه هذه المعاهدة مع حاتوشيلي ليضمنا السلام بينهما، فكل منهما أخ للآخر، وهما الآن أكثر أخوة مما كانا في الماضي، فرمسيس هو صديق حاتوشيلي، وسيكون أولاده إخوة أولاد حاتوشيلي، وفي سلام دائم.
- لن يحتاج رمسيس بلاد الحثيين البتة، من أجل أن يأخذ منها أي شيء مهما كان، ولن يدخل حاتوشيلي مصر ليأخذ منها أي شيء مهما كان.
- إن زحف عدو على بلاد الحثيين، وأرسل حاتوشيلي إلى رمسيس يقول:« تعال لمساعدتي» عندئذ يرسل رمسيس جيوشه ومركباته الحربية.
- إذا غضب حاتوشيلي على بعض رعيته، وإذا تمردوا عليه، يرسل رمسيس جيوشه ومركباته الحربية لمحاربة أولئك الذين غضب حاتوشيلي عليهم.
- إذا زحف عدو على بلاد مصر، وأرسل رمسيس إلى أخيه حاتوشيلي يقول: « تعال لمساعدتي » يرسل حاتوشيلي جيوشه لقتل هذا العدو.
- إذا هرب ذو شأن من أرض مصر وذهب يلجأ إلى أرض الحثيين فلا يستقبله ملك الحثيين، ويسلمه إلى يدي رمسيس.
- إذا هرب رجل أو أكثر من العامة إلى بلاد الحثيين ليعملوا فيها عند أحدهم، فلا يحتفظ بهم في بلاد الحثيين، بل يُعادوا إلى رمسيس ملك مصر.
- إذا هرب ذو شأن من أرض الحثيين ولجأ إلى بلاد رمسيس، فلا يستقبله ملك مصر، ويسلمه إلى يدي ملك الحثيين.
- إذا هرب رجل أو أكثر من العامة إلى مصر ليعملوا فيها عند أحدهم، فلا يستقبلهم ملك مصر، ويسلمه إلى يدي ملك الحثيين.
تعريفات:
• نهر العاصي، يجري في سورية ضمن ثلاث محافظات: حمص - حماة - إدلب - لواء الاسكندرون، عرف منذ القديم باسم الأرنط، أي النهر المقلوب، وتسميته بالعاصي متأخرة، ويقصد به أيضاً المعنى نفسه الذي يرتبط باتجاه جريانه من الجنوب إلى الشمال، ينبع من الجزء الشمالي لهضبة بعلبك في لبنان الشقيق من عدة ينابيع، أهمها: الهرمل - مغارة الراهب - ويدخل الأراضي السورية في محافظة حمص وتصب فيه مياه عين التنور ويمر بعدها عبر بحيرة قطينة الشهيرة، وعند هذه البحيرة ينتهي الوادي الأعلى للنهر، وعلى ضفتيه تركزت مجموعة كبيرة من المدن والقرى والمواقع التاريخية.
• أقدم موقع سكني في حمص هو تل حمص أو قلعة أسامة، وقد أثبتت اللقى الفخارية المكتشفة في التل أن قلعة حمص كانت مسكونة منذ الألف الثالث قبل الميلاد، وقد ورد اسمها في وثائق ايبلا وفي مكتشفات تل النبي مند (قادش القديمة) وقد ورد اسمها في العصرين اليوناني والروماني باسم (أيميسا)، ومن أبرز مكتشفات حمص، الدياميس التي هي عبارة عن كهوف تحت الأرض، كان يمارس فيها المسيحيون ديانتهم بعيداً عن ملاحقة الحكم الروماني وجامع الصحابي الكبير خالد بن الوليد.
• تل النبي مند (قادش): يضم في بقاياه مجموعة من الآثار التي يعود تاريخها إلى الألف الرابع قبل الميلاد، ذكر اسمه في مراسلات تل العمارنة باسم (قدشا - قدشي)، كانت لهذه المدينة أهميتها في العصر الآرامي، كما ازدهرت في العصر الروماني وحملت اسم «لاوديسا».
في عام 1846، نقبت في تل النبي مند بعثة أثرية برئاسة الباحث الإنكليزي تومسون وفي الفترة الواقعة بين (1921و1922) نقبت فيه بعثة أثرية برئاسة موريس بيزار، ثم توقف التنقيب فيها إلى بداية الثمانينات من القرن الماضي، حيث نقبت فيه بعثة إنكليزية برئاسة بيتربار واستمرت حتى عام 1990.
كانت قادش مستوطنة صغيرة في العصر الحجري الحديث، ضمت بقايا بيوت أرضياتها مرصوفة بالجص الأبيض، وبنيت جدرانها من التراب المدكوك وحوت الكثير من القطع الفخارية، التي يعود تاريخها إلى الألف السادس قبل الميلاد، وبعد فترة انقطاع عاد الاستيطان إليها في الألف الثالث قبل الميلاد، حيث عثر على أبنية مصنوعة من اللبن القاسي الذي غطى الأرضيات، وفوق هذه الأبنية منشأة ذات مساحة كبيرة وجدران سميكة، عثر فيها على لُقى يعود تاريخها إلى عصر البرونز القديم، وظهرت في سوية الألف الثاني قبل الميلاد تحصينات عن عصر البرونز الحديث، وعثر على أدوات من الفخار المصري المعروف في زمن الأسرة الثامنة عشر، كما اكتشف فيها نظام دفاعي جميل استمر حتى القرنين التاسع والثامن قبل الميلاد.
وقد انقطع السكن في قادش حتى العصر الهيلينستي حيث وجدت بعض آثار البيوت، وأعمدة الجدران التي استمرت في العصر الروماني.
تعد قادش من الأمثلة المهمة على المدن السورية الحصينة التي كان سكانها من أوائل الذين صنعوا الفخار في العصر الحجري الحديث.
المصادر:
- الآثار السورية، سورية ملتقى الحضارات والشعوب، ترجمة: نايف بللوز طباعة دار «فورفرتس» فيينا - النمسا- 1978.
- معاهدات السلام عبر التاريخ، تأليف: غاستون بوتول، ترجمة وتعليق جورج أبو كسم، دار الأبجدية - دمشق - 1996.
- إضاءات من الذاكرة القديمة، تأليف: علي القيّم - وزارة الثقافة دمشق، 1983.
- سورية التاريخ والحضارة، تأليف: د. عفيف البهنسي - إصدار وزارة السياحة - دمشق - 2001 م.
- ترصيعات على جدران شامية، تأليف: علي القيّم - إصدار مركز زايد للتراث والتاريخ - الإمارات العربية المتحدة - العين - 2000 م.
- آثار وأسرار: تأليف: علي القيّم - إصدار: دار البشائر - دمشق - سورية 1997.
- زيارات ميدانية إلى موقع تل النبي مند، قمت بها منذ عدة سنوات للاطلاع على نتائج التنقيب والكشف الأثري.
- الموسوعة العربية - دمشق - سورية - المجلد الخامس عشر 2006. تقارير البعثة الأثرية البريطانية التي عملت في الموقع منذ ثمانينات القرن الماضي، ونشرت في مجلة الحوليات الأثرية السورية.



المصدر : الباحثون العدد 42 كانون الأول 2010

السلام عليكم 

الحمد لله كل يوم وانتم طيبين